حصاد اقتصادي وتنموي ودبلوماسيّ في العام 2022 وأفق واعد في العام 2023

أحمد الأيوبي
قد يبدو هذا الرجل حالماً في نظر الكثيرين ممن يتابعون مسيرته بالترقّب والانتظار، أو بالمجاملة والمسايرة، أو بالمواكبة والمساندة.
نعم فكلّ الطموحات الكبرى بدأت بالأحلام والتطلعات، ثمّ تطوّرت بالاستناد إلى عناصر القوة المتاحة وتكسير العوائق والمثابرة وعدم السأم وطرد اليأس وتحييد أصحاب دعوات الإحباط.

هذه هي الدائرة التي يعمل فيها توفيق دبوسي منذ سنوات، وهو الواقف ضمن مساحة غرفة طرابلس الكبرى، المحدودة مساحة، الواسعة فضاءاً، وهو الرافض أن يغادرها نحو السياسة، طالما السياسةُ في بلدنا قرصنةٌ والتفاف على إرادة الشعب، وشُبهة يكاد يستحيل معها الخروج بسلامة السمعة والذمة إلاّ من رحم ربي.

زارعو الألغام وناشرو الفشل
لا يتحدّث دبوسي عن محاربيه وواضعي الألغام في طريقه وهم كُثر، وفيهم مدّعو الحرص على المصلحة العامة، وبينهم من كان يُفترض به أن يكون شريكاً ومعيناً على خوض غمار التحديات، لكنّه تحوّل إلى زارع ألغام وناصب حواجز، ومن هؤلاء سياسيون وآخرون من مجتمع الاقتصاد، لكنّهم كانوا يغادرون مواقعهم حاملين فشلهم وعجزهم، ويواصل الحالمُ الواثق بتوفيق الله طريقه، فيفكِّك الألغام ويستوعب من كان يبدي العداوةَ فإذا به كأنّه وليٌّ حميم.. من دون أن يهتزّ لما رآه من خذلان وتضييق لا يجد في إدراكه له سبباً منطقياً، سوى منع الخير عن الناس، وهذه صفة قرنها الله تعالى بالعدوان والإثم لكلّ من يحول دون إنجاز مشاريع تنفع الناس وترفع من مستوى معيشتهم.
إشكالية العجز عن التكامل

لا يزال توفيق دبوسي مصرّاً على رفض وصف طرابلس بأنّها المدينة الأفقر على ساحل البحر المتوسط ورفض استدرار التعاطف مع أهلها بالاستعطاء، وهم يملكون ما يملكون من طاقات بشرية مبدعة وإمكانات استثمار واسعة وفوق عادية، لكن ينقصها الإرادة والتفعيل والتعاون.
لامَ دبوسي المجتمع المدني في طرابلس سائلاً جمعياته ومؤسساته عن أسباب فشلها في الانسجام والتنسيق والتعاون فيما بينهم، مبدياً حزنه لغياب هذا الاجتماع من أجل خدمة المدينة بشكل أفضل وأسرع وأكثر كفاءة،
قالها توفيق دبوسي بصراحة ووضوح: إن من الطبيعي أن نجتمع سوياً ولكنّ المشكلة هي أنّنا لا نقدر على التناغم والتنسيق والتعاون فيما بيننا، فإذا بنا يكرِّرُ بعضُنا بعضاً في الأنشطة والجهود، ورغم أنّ المدينة أصبحت كبيرة من حيث عدد السكان وكثرة الجمعيات، إلاّ أنّ الانفراد والتباعد يجعل كلّ واحدٍ منا يغنّي على ليلاه! علينا أن نعترف بأنّ عندنا مشكلة ثقيلة: نحن لا نتمكن من استيعاب بعضنا ولا التكامل فيما بيننا.
غرفة طرابلس.. قبل دبوسي

من أراد أن يرى الفارق، عليه أن يراجع كيف كانت غرفة طرابلس قبل أن تستقرّ برئاسة توفيق دبوسي في العام 2009.. كيف كان مبناها وكيف كانت إدارتها وكيف كان مستوى جودة خدماتها، وأن يقارن بما آلت إليه الآن في البناء المشيّد الموسّع وفي الإدارة المتطورة الحديثة وفي تقديم الخدمات للأعضاء المنتسبين ولجميع أصحاب المشاريع الاقتصادية.. وكيف أصبحت المكننة والربط مع المحكمة التجارية وإنجاز المعاملات في اليوم نفسه، بل في الساعة نفسها في أحيان كثيرة، هذا بالإضافة إلى دعم إنشاء التعاونيات والجمعيات الاقتصادية وحاضنة الأعمال..

من أراد إدارك حجم التغيير والتطوير الذي أدخله توفيق دبوسي على غرفة طرابلس، وكلّما تقدّم الوقت وكبُرت التحديات أوجد لها المزيد من الأدوار وحقّق المزيد من الإنجازات..
مختبرات
غرفة طرابلس لكلّ لبنان

من كان يتصوّر قبل العام 2009 أن يكون لطرابلس والشمال مختبرات عالمية يصل صيتها إلى أرجاء المعمورة، وتشكّل مرجعاً علمياً في الأبحاث والعلوم ولوضع العلم في خدمة البشر، فإذا بهذه المختبرات تصبح العمود الفقري للأمن الغذائي في لبنان.. في زمن كورونا ثم في موجة الكوليرا، ولفحص التربة لتوجيه المزارعين نحو الزراعات التي تتناسب مع تربة أراضيهم، ثم احتواء الانهيار الكبير بتأمين الاستمرارية لمكاتب الوزارات في طرابلس: الاقتصاد والزراعة والصناعة.

ثمّ يسألونك
ماذا فعلت غرفة طرابلس؟
هل يمكن الحديث عن معالجة أزمة غياب الطاقة عن مرافق الدولة، وأهمها المياه دون الحديث عن مبادرة غرفة طرابلس لتشغيل المحطات الكهرمائية في الكورة لصالح مؤسسة مياه لبنان الشمالي، وكانت تلك إشارة إلى أهمية هذا النوع من المحطات الذي بإمكانه حلّ الجزء الأكبر من أزمة الطاقة لو كان المسؤوليون يفقهون أهمية ما صنعه رجال الدولة قبل الانحدار الذي وصلنا إليه هذه الأيام.
أصبحت طرابلس اليوم مقصداً لخدمة سائر المناطق من خلال مبادراتها في مجالات الصناعة والزراعة والتجارة، ومن خلال مختبراتها ذات الجودة العالمية وخدماتها المتصلة بمعالجة الأزمات وتدخّلها في مجالات توفير الأمن الغذائي والطاقة النظيفة وحسن التواصل مع العالم.
هكذا احتضن دبوسي المنطقة الاقتصادية الخاصة

يمكن أن نطلق على توفيق دبوسي لقب صيّاد الفرص لطرابلس وللبنان، فلا يكاد يلمح إمكانيّة لإنجاز مشروع، إلاّ فتح الأبواب للمساعدة في تحقيقه، وهذا ما فعله بالتحديد عند إقرار مشروع المنطقة الاقتصادية الخاصة، فقدّم على مدى عامين كاملين المكاتب والمصاريف التشغيلية ونفقات السفر لرئيسة المنطقة الوزيرة السابقة ريا الحسن والموظفين، من أجل تثبيت الكيان القانوني والوظيفي للمنطقة الاقتصادية الخاصة، وعدم تطيير المشروع، كما طار غيره.
حصاد غرفة طرابلس العربي

في العام 2022 ظهرت نتائج عمل هذه الغرفة المحاصرة بصلاحيات محدودة، وبانتسابات غير ملزمة إليها من أهل التجارة والصناعة والزراعة، فمدخولها هو الأقلّ وفعاليتُها هي الأكبر.
مع وداع العام 2022 ومطلع العام 2023 أثمرت جهود غرفة طرابلس توسيعاً لدائرة التعاون العربي، ففتحت أبواب العراق أمام المستثمرين اللبنانيين بتسهيلات مغرية، وكذلك أسواق سلطنة عُمان لتُشكّل نافذة تبادلية في الخدمات المستندة إلى الجوار والعروبة، والجهد ممتدٌّ إلى الجزائر والإمارات والكويت وقطر.. وإلى موضع نزول الوحي ورسالة السلام في مملكة الخير، المملكة العربية السعودية، حيث لا تهدأ حركة التواصل مع سفيرها وليد بن عبد الله البخاري وغرفها التجارية وفعالياتها الاقتصادية.
حصاد الغرفة الدبلوماسيّ

أصبحت زيارة غرفة طرابلس أشبه بالعُرف الدبلوماسي لدى كلّ سفير جديد يأتي إلى لبنان، فيضيف إلى سلفه تراكماً جديداً في تعزيز الثقة بمستقبل المدينة رغم كلّ عوامل الإحباط القائمة راهناً.
قدّم الرئيس دبوسي خطاباً متقناً للوفود الدبلوماسية وتمكّن من إيصال الرسالة المتوازنة المبنية على إرادة الانفتاح والتعاون وعلى قدرات طرابلس وإمكاناتها، وأنّها لا تستجدي المعونة أو الشفقة، وإنّما تريد الاستثمار المتكافئ المؤدي إلى التنمية الحقيقية.
كما أحسن دبوسي تقديم القيم المشتركة بين الشعب اللبناني وشعوب العالم، وأهمّها الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، وخاصة الوفود الدبلوماسية الأميركية والأوروبية، بالتوازي مع اليابان وكوريا الجنوبية والهند والصين..
مخاطبة العالم:
طرابلس قهرت الإرهاب

أكّدت مداخلات دبوسي أنّ طرابلس نجحت في التصدّي لكلّ محاولات تشويهها وربطها بالإرهاب، فهي مدينة نابذة لهذه الآفة، تاريخها القديم والحديث راسخ في الاعتدال والشراكة الإسلامية المسيحية، وهي مدينة المطارنة الأربعة والمساجد والكنائس الغارقة في العراقة والتاريخ.
كان نجاح طرابلس في التصدي للإرهاب مفتاح الاستقرار وجواز عبورها لتكون مدينة إقليمية وعالمية، تنتظر تعافي لبنان، وتستعدّ لالتقاط فرصتها الكبرى.

رسمت زيارة الوفد الأميركي مشهداً عزّز حقيقة دور غرفة طرابلس الكبرى كمرجعية جاذبة في عالم الاقتصاد، تأتي إليها وفود عواصم العالم، فتُبهَرُ بما وصلت إليه، وتتبنّى رؤيتها ومشاريعها لطرابلس ولبنان والمنطقة.. وأكّدت مواقف دبوسي مكانة طرابلس بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية وموقع واشنطن بالنسبة للبنان وطرابلس، فعاصمة الشمال مدينة منفتحة وقادرة على إدارة أفضل العلاقات مع المجتمع الدولي، والتقدّم بمشاريع تنموية تستجيب لحاجات المجتمع المحلي، ونحو استقطاب استثمارات عالية المستوى، عربياً، إقليمياً ودولياً.. ممّا يجعلها في مصافّ المدن القابلة للازدهار والإشعاع، على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والإنساني، بما تحمله من ذخيرة حضارية في تاريخها حاضرها وتنوّعها الديني والثقافي.

لم يعد من باب الأمنيات الحديث عن مكانة الفيحاء الدولية، فبإصرار توفيق دبوسي أصبحت سفارات العالم الكبرى تتعاطى مع المدينة على أنّها مستقبل لبنان الواعد، وأنّها مرفأه الصاعد ومطاره الآتي ولو بعد حين، واقتصاده الناهض من الشمال حيث الفرص والإمكانات التي لا تنتهي.. وأصبحت المدينة جزءاً من خريطة الاقتصاد العربي والدولي، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، وها هي سفارات الدول الكبرى تعترف بها عاصمة لا يمكن تجاوزها للبنان والمنطقة.
في مطلع العام 2023 من المنتظر أن تتسارع خطوات العمل العربي الاقتصادي وأن تنتقل غرفة طرابلس إلى مرحلة متقدِّمة من التفاعل في الدول التي تعرض الشراكة والاستثمار، وإنشاء عمليّةٍ تبادليّة واسعة في الخدمات يتوقع أن يكون لها أثرها الفعّال على القطاع الاقتصادي اللبناني.
بعد سنوات من جهود توفيق دبوسي أصبحت طرابلس منارة على شاطئ البحر المتوسط، تشعّ نوراً رغم انطفاء مصابيحها، وتطلق صيحات الأمل رغم أشباح الإحباط، هي المدينة الرافضة للموت المتمسِّكة بالحياة، بأهلها وناسها ومحيطها الكبير وقلبها النابض بالإرادة.
