شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

كتب عارف العبد في المدن

على الرغم من حديثه ووعوده عن استكمال النضال، من دون هوادة أو توقف في المستقبل، إلا أن الرئيس السابق للجمهورية العماد ميشال عون كشف عن هزال وضعف كبير في الموقف السياسي، والقدرة على الحركة والتعبير عن الحالة، بمجرد أن انتقل من قصر بعبدا إلى مقر اقامته الجديد في الرابية. وظهر مع بداية انطلاق الحركة السياسية ما بعد نهاية الولاية، بعد انتقاله إلى موقعه النضالي التقاعدي، كأنه ووريثه السياسي جبران باسيل قد فقدا المقود والحيلة والمقدرة على استيعاب وتقدير التغيرات التي استجدت بطريقة كاريكاتورية.

مجرد أن عقدت حكومة تصريف الأعمال اجتماعها الأول برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي، حتى ظهر رد فعل الرئيس السابق وصهره بأنه في الموقع الضعيف والمرتبك، والباحث عن التغطية السياسية، والمفتش عن الإثارة الطائفية والشعبوية.

صحيح أن رئيس حكومة تصريف الأعمال قد وجّه بعقده اجتماعاً لحكومته ركلة سياسية محكمة ومزعجة للعنفوان الباسيلي، عبر إتقانه إخفاء ورقة وزير الصناعة “الطاشناقي” حتى اللحظة الأخيرة، التي أمنت نصاب انعقاد الجلسة، لكن هذا الأمر لم يكن يستدعي كل هذا التوتر المضخم والمتفاقم، وهذه “الرعبة” والهرولة إلى مقر البطريركية المارونية في بكركي، للتمسك والشد بعباءة سيدها، ومحاولة إثارته وتحريضه، لكي يدافع عن الشرف المهدور من قبل ميقاتي ومن وقف معه وسانده في جلسة قرارات الضرورة، ومن بينها تأمين كمية الأدوية السرطانية وغيرها من البنود الطارئة على جدول أعمال الجلسة المصونة.

ظهر الأمر وكأن عون وباسيل يستدرجان ويبحثان عن الغطاء الروحي والطائفي من سيد بكركي، لاستدرار تعاطف المجتمع المسيحي والماروني مع موقفهما.

كان يفترض أن يكون الموقف العوني المناهض لميقاتي موقفاً سياسياً ودستورياً قوياً، افتقد إليه عون، فعوض عنه واستبدله بحركة متوترة ببيارق وإشارات طائفية وإثارة غرائزية.

تسلح ميقاتي بمنطق الدستور والحاجات الملحة والأعراف الدستورية السابقة، والتي تقول بأولوية تسيير المرفق العام على أي أمر آخر، وبسوابق انعقاد حكومات مستقيلة عند الضرورة، ونجح في تغطية خطواته دستورياً، وفي إقناع من وقف معه، فيما مالت معارضة عون وصهره لتحريك العصب الطائفي تحت شعار هدر “الحقوق الكثيرة غير المصانة” وضرب الميثاق والدستور.

وصل التعجل والتوتر والانفعال بباسيل أن أصاب برصاصه العشوائي والطائش حليفه وحاميه وولي نعمته السياسية والنيابية أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله من دون أن يسميه، بحديثه عن “الصادقين”، مما اضطره إلى التراجع سريعاً وسحبه الكلام الذي أدلى به بطريقة متعجلة، عبر كشفه عن مكنوناته العميقة تجاه السيد موضحا بتأثر: “شخص السيّد حسن له مكانة خاصّة في عقلي وقلبي وأفكر به بشكل مختلف عن كل الناس في السياسة في لبنان”.

وأضاف باسيل: “وإذا وضعنا جانبًا الجنرال عون، السيد حسن هو عندي غير كل الناس”.

وقد قارن جمهور المستمعين والمشاهدين بين توضيح باسيل بالغ الدلالة المؤثر والسريع، وتلك الحادثة التي وقعت في منطقة حي السلم حين انفعل أحد المواطنين مع بداية الحراك الشعبي وانطلاق انتفاضة تشرين، وتلفظ علناً بكلام وبانتقاد علني على الهواء للسيد نصرالله وحزب الله، وعاد في اليوم الثاني ليعتذر بعنف عن ما تلفظ به.

ما كان مطلوباً كل ذلك المقطع من عرض العضلات والتهويل الطائفي والسياسي على الرأي العام والرئيس ميقاتي، في أمر عادي قد يحدث مثله كثيراً، بداعي الضرورة، فيما الأوضاع المعيشية إلى تدهور سلبي.

كان مشهد مسارعة باسيل وعمه إلى بكركي ولسان حالهما يقول: “دخيلك يا سيدنا أنجدنا.. راحت الحقوق”، مشهداً ضعيفاً مبالغاً في انفعاليته، ينقصه القليل من الإبداع والابتكار.

كان من المفترض اعتماد الموقف السياسي الرصين والقوي، والحجة الدستورية المسندة، والقانونية المفحمة، لمواجهة ميقاتي، في حال تجاوز الدستور، وليس التهويل بالتقسيم والفدرالية وتحريك وإثارة المشاعر بالاستناد إلى رمزية البطريركية الطائفية والوطنية، على أمل تحريك الغرائز لمواجهة الثغرات السياسية إذا ما وجدت، وليس إقحام البلاد ووضعها على شفير نزاع طائفي مجدداً.

لا لزوم لإطلاق النفير الطائفي تحت شعار “يا غيرة الدين.. الميقاتي ومن معه من “محمودات” وخلفه يأكلون حقوقنا، تعالوا نستقل ونبتعد عنهم”.

كان البطريرك الراعي رصيناً إلى أبعد الحدود حين عكس موقفه مما جرى، بكلمات تدل أنه أدرك خطورة الموقف الذي قصد عون وباسيل إقحام البلاد فيه، فعبر عن موقفه بطريقة لبقة ولائقة، وقطع الطريق على الإثارة المنتظرة والمقصودة للاصطياد في الماء العكر، ليتلقف ميقاتي الأمر ويرد على عقلانية الراعي بخطوة أحسن منها وعلى المستوى ذاته.

لم تنجح محاولة الإثارة والعودة إلى الواجهة، عبر الاستنجاد ببكركي والبطريرك، فبقي طريق واحد أمام الرئيس السابق وصهره، وما من طريق غيره سوى العودة إلى اللقاء مع السيد حسن وإعادة ترميم العلاقة معه ومع حزبه، لأن السيد غير كل الناس كما أوضح باسيل، وما من طريق أمام ثنائي الرابية الآن إلا الوقوف على باب الله وحزبه يا محسنين.  

شاركها.