شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

فشل الرفاعي وزكريا في تحقيق أيّ إنجازٍ على مستوى حضور دار الفتوى في عكار

تحتاج عكار مفتياً يرسّخ الانتماء لدار الفتوى ولديه الرؤية والاقتدار على تنفيذ الإصلاحات وإطلاق ورش البناء

دار الفتوى راعية شؤون جميع المسلمين فلا تقسّمهم حسب الولاءات الضيقة

هل يمكن المفاضلة بين خيارين أحلاهما مُـرّ

بوجود الأصلح؟

أحمد الأيوبي

تواجه عكار حالة استعصاء في السباق الانتخابي للوصول إلى موقع المفتي في هذه المحافظة التي التصق اسمها بالتهميش والحرمان والإفقار، المترافق مع عجز أغلب النخب عن صياغة سياسات ناجعة في أغلب المجالات: الدينية والسياسية والتنموية والاجتماعية، لذلك تبرز معضلة كبرى في الشأن الديني عند كلّ مفترق أو استحقاق، خاصة في ظلّ التجارب السابقة التي جاءت بمفتيين سابقاً: الشيخ أسامة الرفاعي والشيخ زيد بكار زكريا، اللّذَين يلتقيان على جامع مشترك واحد، هو إهمال وجود دار الفتوى ككيان ومؤسسة أمّ، والالتفات إلى جوانب العمل الخاص وتطويره، من دون أن يكون للأوقاف نصيب من هذا التطوير.

هذه الإشكالية الموضوعية تبرز بقوّة عند مقاربتنا لقضية الإفتاء، وخاصة عند الشيخ زيد بكار زكريا، وحتى نكون منصفين، لا بُدّ من التبيان أنّه قام ويقوم بجهود مهمة في مجال الدعوة وتوعية الشباب وأنّ دوره إيجابي في  استيعاب تداعيات اللجوء السوري في عكار، ولا شكّ أنّه في تعامله مع الناس يتسم بالتواضع وأنّ له باعاً لا يجوز إنكاره في العمل الخيري والإغاثيّ.

ثغرات في مسار الشيخ زيد

لكن في المقابل، تظهر ثغرات كبرى في مسار الشيخ زيد، تتعلّق تحديداً بقضية الانتماء إلى دار الفتوى والتصرّف على أنّها المرجعية الأمّ في كلّ مسالك العمل العام، خاصة عند ارتقاء منصب الإفتاء، وهو ما لح يحصل خلال فترة شغل الشيخ زيد لهذا الموقع، فقد كانت الأولوية دائماً

كيف يمكن التفريق

بين العام والخاص؟

يمكن لأيّ جمعية ناجحة أن تقوم بما يقوم به الشيخ زيد في المجال الخيري والإغاثي، وهو مجال لا يمكن إنكار أنّه يحتوي الكثير من أبواب تنمية المال الخاص والأعمال الخاصة، وهو ما انعكس فعلياً على حركة الشيخ زيد، حيث اختلطت مسارات التبرّع بين العام والخاص، ولم يعد ممكناً التفريق في بين هذا وذاك، وما يعنينا هنا أنّ الأولوية لم تكن يوماً لدار الفتوى وأوقافها، بل إنّ الوجود في سدّة الإفتاء كان مدخلاً لزيادة منسوب الاستقطاب المالي والإغاثي للجمعيات والمؤسسات الخاصة، وهذه إشكالية كبرى، ستكون أكثر وضوحاً في حال فاز الشيخ زيد بانتخابات الإفتاء يوم الأحد المقبل.

فالواضح أنّ الشيخ زيد سيقوم بتسخير إمكانيات دار الفتوى لصالح مؤسساته الخاصة وليس العكس، كما فعل سابقاً، وهو الذي أصبح يمتلك شبكة مدارس خاصة وجمعيات ومراكز وشركات تجارية.

والدليل على ذلك أنّه تولى الإفتاء أربع سنوات، ولم يقم بتنمية أيّ قسم من أقسام دار الفتوى أو الأوقاف في عكار، في حين ظهرت الامبراطورية المالية لديه، من شبكة المدارس والشركات والمؤسسات.

على سبيل المثال: بنى الشيخ زيد زكريا مدرسة خاصة في بلدة قبعيت بكلفة تقارب الستة ملايين دولار، ولديه مدرسة الإبداع في العبدة، وهذه المدارس تتعامل كأي مدرسة خاصة، رغم أنّها بُنيت بتبرعات المسلمين. وهو لم يبن في المقابل مركزاً لدار الفتوى في عكار، وهو مفتيها، وجلس على كرسيّ الفتوى في مكتب الأوقاف وليس في دار الفتوى، بينما تمكّن من تأمين الأموال الطائلة لجمعياته ومؤسساته الخاصة، تماماً كما فعل المفتي الأسبق الشيخ أسامة الرفاعي.

فهل كانت هذه الأموال تأتي لدار الفتوى أم لصالح المؤسسات الخاصة، وإذا كانت كذلك، لماذا لم يبذل زكريا أيّ جهد لتأمين بناء مقرّ للمؤسسة الدينية في عكار طالما أنّ لديه هذه القدرة على جذب التبرعات؟

 والمؤسف في هذا السياق أنّه عندما كان الشيخ زيد بكار زكريا يأتي بالتبرعات المالية إلى دائرة الأوقاف كان يعتبرها تبرعاتٍ شخصية واردة إليه، ويطلب من المحاسب تسجيله كدين على الدائرة لصالحه، كما ذكر أكثر من مصدر في الدائرة، وهذا أمرٌ مستغرب.

هل يمكن اعتبار الفوز المحتمل للشيخ زيد بكار زكريا إنجازاً يبشِّر بمرحلة استنهاض دار الفتوى والأوقاف في عكار؟

هذا السؤال بحدّ ذاته لم يعد صالحاً في هذه المرحلة، لأنّ التجربة أعطت الجواب سلفاً، والواقع أنّ ما يجرري الآن هو تنافس شخصيّ بين الشيخين زيد وأسامة، والمواجهة تأخذ في بعض الأحيان طابعاً عائلياً أو عشائرياً، وتلبس أحياناً أخرى لبوساً مناطقياً، أو فكرياً، لكنّها في واقع الحال تصادمٌ شخصي بين مفتيين سابقين.

مركزية قضية الانتماء

في  عمل المفتي

لا يمكن التقليل من مركزية الانتماء إلى دار الفتوى، بمنهجها ومؤسساتها، فهي لُبّ عمل المفتي وبوصلته التي تحدّدُ المسار، فإذا اضطربت اختلّ العملُ كلُّه، وهي قاعدة الإخلاص في العمل والحائل دون الوقوع في ازدواجية المصالح.

فالمطلوب انتخاب مفتٍ يتفرّغ لدار الفتوى ومؤسساتها لا أن يتعاطى معها على أساس الهواية في أوقات الفراغ، ولا أن يكون المنصب في جيبه جواز عبور لتنمية المصالح الخاصة، ولو كانت على شكل جمعيات خيرية، فعكار تحتاج مفتياً يعطي الإفتاء حقه، ويضحّي لإنجاح مؤسساته التي ترعى شؤون جميع المسلمين، على اختلاف توجهاتهم الفكرية والحزبية والعائلية.. فلا تحرم هذا ولا تعطي ذاك بناءاً على الولاء لهذا الشخص أو ذاك، أو هذه الفئة أو تلك؟

هل يمكن المفاضلة بين خيارين أحلاهما مُـرّ

بوجود الأصلح؟

قد يظنّ البعضُ أنّه يمكن المفاضلة بين الشيخ أسامة والشيخ زيد في قضية الإفتاء على أساس أنّ الشيخ زيد لديه إيجابيات أكثر من أسامة، وأنّه بالنسبة لآخرين الأقلّ ضرراً، لكنّ المسألة اليوم لا تتعلّق بهذه المعايير، فكلاهما أخذ وقته، والمطلوب أن تكسر الهيئة الناخبة ما يحاول هذا المتنافسان سوقها إليه، والاتجاه لاختيار الأصلح والأكفأ والأكثر انتماءاً لدار الفتوى ومنهجها والأكثر قدرة على العمل المؤسساتي الناجح، فلا يمكن المفاضلة بين خيارين أحلاهما مُـرّ، بوجود الأصلح.

بعد تجربة “العهد القوي” نعتقد أنّ جرّب المجرّب يخطئ كثيراً في خياراته، فإنّ الحقيقة التي يجب الاعتراف بها هي أنّ الشيخين اسامة وزيد كلاهما فشل في تحقيق أيّ إنجازٍ يُذكر على مستوى حضور المؤسسة الدينية في عكار، وكان الأولى بهما أن يتركا المجال لمن يحمل احتمالات النجاح وأن يكتفيا بما وصلا إليه، فعكار ليست حقل تجارب للفاشلين، وليست مساحة للتصارع على المواقع والمصالح، وللشيخ زيد نجاحات في مجال العمل الخيري الخاص، لها أثرها، يمكن له أن يستكمل مساره فيها، على رجاء أن يكون لعكار مفتٍ يرسّخ الانتماء الحقّ لدار الفتوى ولديه الرؤية والخطة والعزيمة والاقتدار على تنفيذ الإصلاحات وإطلاق ورش البناء في جميع المجالات للمساهمة في مواجهة كارثة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، لا أن يعيد تكرار ما سبق أن قام به وهو سبق أن وصل إلى هذا المنصب.

شاركها.