إستعادة الثقة بالمؤسسة الدينية وإحياء الأوقاف
تنظيم أوضاع المساجد والأئمة والخطباء واللجان وضبطها بمنهج دار الفتوى
إحياء دور المساجد العلمي والتوعوي والاجتماعي
من يفشل في إدارة المسجد المنصوري الكبير كيف سيدير شؤون مساجد الشمال؟
معالجة أوضاع حملة الشهادات غير الموثوقة والمصليات
غير القانونية
المفتي هو مفتي طرابلس والشمال وعليه رعاية أحوال المسلمين في كل المناطق

أحمد الأيوبي
يفرض استحقاق انتخاب مفتي طرابلس والشمال إيقاعه على حركة المرشحين والهيئة الناخبة، وعلى الناخبين من النواب والحركات والهيئات، وهو يتصدّر النقاش في المجالس ويضع المؤسّسة الدينية على أبواب انتظار مفتٍ جديد يضع الأولويات ويعيد رسم السياسات العامة في منحاها الديني والاجتماعي والتنموي، وفي علاقاتها بمؤسسات الدولة والمجتمع، وبمكوّنات المحافظة التي ستولى إدارة إفتائها وإعادة بناء العلاقات معها.
التحديات داخل
مؤسسة دار الفتوى
تبرز التحديات أمام المفتي المنتظر في كلّ ناحية وصوب، فالتركة ثقيلة والإدارة تفتقد عنصر الشباب، والثقةُ المفقودةُ تجعل الأوقافَ كأنّها فقرة في التاريخ، فلا تجديد فيها، بعد أن تحوّل الوقف نحو الخصخصة، وغابت المبادرات فضاعت الفرص والإمكانات.
تحدّياتٌ كبيرة تواجه “المفتي المنتظر” في طرابلس، أبرزها:
إستعادة الثقة
بالمؤسسة الدينية
فالفجوة كبيرة كبيرة، بين عموم المسلمين وبين مؤسسات دار الفتوى، بسبب السلوك السلبي المتراكم منذ عقود طويلة، وهذا ما أدّى إلى تعطيل سُنـّة الوقف الخيري، فلم يعد أهل القدرة والخير يقبلون على إنشاء الأوقاف لصالح دوائر الأوقاف لأنّهم يرون الفشل الذريع في إدارتها، والعجز عن تطويرها، فأصبح الاتجاه نحو إنشاء الأوقاف الذرية (العائلية) هو السائد، فعانت الأوقاف من محدودية الموارد ومن توقف الإقبال عليها كجهة موثوقة في هذا المجال، خاصة في ظل التخبّط الذي ساد في السنوات الماضية حول قضايا الاستبدال والعجز عن تأمين الحضور القانوني الفاعل للأوقاف للدفاع عن مصالحها ومصالح المسلمين، في وجه المحتلين وفي وجه الاستغلال السيء لها من شاغلي العقارات الوقفية.

ربّما لم يلاحظ عموم المسلمين أنّ سنّة الوقف تعطّلت، وأنّ ما هو موجود يعود لسنوات طويلة خلت، وبسبب هذا التعطيل سقط أحد أهمّ أعمدة التكافل الاجتماعي لدى المؤسسة الدينية، وزاد الطين بِلّة سوء إدارة ما هو موجود من الأوقاف، لا بل إنّ سنوات الحرب وما تلاها شهدت استيلاء الكثير من الأشخاص والجهات على الأراضي الوقفية، ومع الأسف فإنّ المفتين السابقين وصولاً إلى الشيخ محمد إمام القائم بأعمال الإفتاء، قاموا بالتطبيع مع هذه الحال، ولم يجرِ فتح هذه الملفات، لا بل إنّ بعض من استولى على العقارات الوقفية تحوّلوا إلى “وجهاء” في المجتمع، وهذا من العجائب!
ملاحظة لا بدّ من الإشارة إليها هنا، وهي أنّ الشيخ إمام وفريقه موجودون في الأوقاف منذ 14 عاماً، وكانوا جزءاً من هذه الإدارة التي خسرت معها الأوقاف الكثير من ثقة المسلمين، لذلك فإنّ الجانب الإداريّ في عمل الشيخ إمام لم يكن ناجحاً، رغم الجهود التي بذلها أعضاء مجلس إدارة الوقف الحالي، لكنّ المسألة تحتاج إلى عملية إعادة بناء إدارية متكاملة، من الواضح أنّ الشيخ إمام لا يمتلك الرؤية والقدرة على تنفيذها.
إنّ استعادة الثقة بدار الفتوى وأوقافها، هي المهمّة الأولى للمفتي الآتي إلى حقول ألغام وإرث ثقيل، لكنّ الخروج منه ممكن بسياسات قائمة على الاقتدار والشفافية والشراكة الاجتماعية، فعند استعادة الثقة تعود الإمكانات وتنكسر عوامل التعطيل.
إحياء دور المساجد:
من يفشل في إدارة المسجد المنصوري الكبير كيف سيدير شؤون مساجد الشمال؟

إحياء دور المساجد الشرعي والتوعوي، وإعادة النبض إليها من خلال تنظيم الدروس وحلقات العلم، وإعادة المجالس العلمائية التي طالما عُرفِت بها طرابلس والشمال، وإنهاء الإهمال الفاضح بحق بيوت الله.
ولتوضيح الصورة، نعطي المثال بالمسجد المنصوري الكبير: فهذا المسجد المركزي في طرابلس، بدون لجنة تدير شؤونه منذ أربعين عاماً، ولم يقم المفتي السابق الشيخ مالك الشعار في ذروة قوّته بتعيين هذه اللجنة، وبعد جهد الطيبين تشكّلت لجنة لا تزال عاجزة عن القيام بمهامها لهجز الأوقاف ودار الإفتاء عن اتخاذ القرارات الحاسمة في إعادة الحياة إلى أهم مساجد المدينة.
وإذا كانت إدارة دار الفتوى والأوقاف لم تستطع أن تدير المسجد الكبير الذي هو المسجد الأهمّ تاريخاً وعراقة ودوراً، فكيف يمكنها إدارة باقي المساجد في أنحاء طرابلس والشمال.. وهذا يكشف حجم العجز والفشل المخيف الذي يضرب بأطنابه في كلّ الدوائر الدينية والوقفية.
المفتي هو مفتي الشمال وليس طرابلس وحدها:
العناية بمسلمي ومساجد وأوقاف المنية والضنية وزغرتا والكورة والبترون

لا بدّ للمفتي المنتظر أن يكون مفتياً للشمال، فهو ليس مفتياً لطرابلس المدينة.
لقد تصرّف المفتون السابقون والقائم بأعمال الإفتاء حالياً كما لو أنّهم مفتون لطرابلس أو لبعض أحيائها وعائلاتها، من دون أن يلاحظوا أنّ صلاحياتهم وواجباتهم تمتدّ من البترون حتى المنية، ومن الكورة وزغرتا حتى الضنية، وفي هذه الأقضية مساجد متروكة وأوقاف مهملة، وتسيّب وإهمال، ومشاكل داخل المساجد، حتى أنّ القوى الأمنية تضطر أحياناً للتدخّل لوقف النزاع بين شيخين يتنازعان المنبر والخطابة والإمامة، وربما تضطر إلى إغلاق بعض المساجد بشكل مؤقت لوقف الفتنة وحلّ الإشكالات الناشبة في ظلّ غياب كامل للمفتي السابق ولمن يقوم مقامه في الوقت الراهن.
ينبغي أن يكون المفتي مفتياً لطرابلس والشمال، وأن لا تبقى منطقة إلاّ ويزورها ويلتقي أهلها، فيتعرّف على أوضاعهم ويكتشف طاقاتهم ويديم التواصل معهم، وأن لا يبقى مسجد إلاّ ويطلع على أحواله وينظّم اللجان ويحفظ الأوقاف، وهو ما يحصل خلال الفترات السابقة مع الأسف.
تمكين الأوقاف من إدارة المساجد وضبط الخطاب
على منهاج دار الفتوى
من أبرز المهمّات التي تنتظر المفتي المقبل تمكينُ الأوقاف من إدارة مساجدها وضبط الخطاب فيها ضمن أطر منهج وثوابت دار الفتوى الإسلامية والوطنية، وعدم السماح باستغلالها في اتجاهات سلبية، فكرياً واجتماعياً، كما حصل في بعض الحالات خلال فترات سابقة، ودفع المسلمون أثماناً باهظة للتسيّب وللخروج عن منهج دار الفتوى الوسطي والرافض للعنف وللتطرف. فمن يريد الانتماء إلى هذه المؤسسة عليه التزام قيمها وثوابتها، والخروج عليها يخرجه من عباءتها تلقائياً.
التصدي لظاهرة الشهادات “الشرعية” المشبوهة
يحتاج المفتي المنتظر إلى مقاربة إشكالية من يحملون شهادات شرعية غير معترف بها في لبنان، وكثير منها صادر عن معاهد مجهولة أو معروفة بسقوط مصداقيتها الأكاديمية، بحيث تبيع الشهادات بيعاً، وهؤلاء يشكّلون حالة مثيرة للقلق، لأنّهم يتسلّلون إلى مساجد غير تابعة للأوقاف ويتحوّلون إلى خطباء وقادة رأي بدون أن يخضعوا للتدقيق في مستواهم العلمي والشرعي، وفي مشاربهم التي تقودهم في سلوكهم وتحركاتهم، وأوضاع هذه الشريحة تعتبر ثغرة كبيرة في العمل الديني، لا بدّ للمفتي المنتظر أن يعالجها بمنهجية علمية صارمة وبروحية اجتماعية عادلة، على قاعدة لا ضرر ولا ضرار.
التصدّي للمصليات
غير القانونية
معالجة مشكلة المصليات غير القانونية، والتي نشأت كالفطر، في أماكن أغلبها غير مؤهل ليكون مكاناً للعبادة: كاراجات أو مساحات هامشية، أو شقق سكنية، وقد تحوّل أغلبها مع الوقت إلى بؤر معزولة، تنشأ فيها الظواهر الغريبة ويظهر فيها “مشايخ” غبّ الطلب، لا يُعرف لهم أساس ولا مراس في العلم الشرعي، فيتحوّلون إلى “زعامات” في الحارات والأزمة، ويرمون أفكاراً وطروحات قد يفضي بعضها إلى نشوء حالات خارجة على المجتمع، وعلى مفاهيم التديّن الصحيح.
المطلوب التزام المرشحين بخطة واقعية للنهوض
بدار الفتوى






لا يمكن لمرشح لإفتاء طرابلس أن يتهرّب من هذه القضايا ولا أن يتوارى خلف العناوين العامة التي تخفي الموقف الصريح والواضح من كلّ عنوان منها، وهناك حاجة لأن يقدِّم كلّ مرشحٍ خطته في هذه المجالات أمام الرأي العام ويتعهد الالتزام بها، وهذا ما ننتظره من جميع المرشحين، مع العلم أنّ من كان في سدة المسؤولية وفشل في إنجاز أي استحقاق، من الأرجح أنّه لن يستطيع الإنجاز، ومن تنام ملفات الاشتباه به بالفساد تحت ملف ترشيحه لن يكون منصب الإفتاء بالنسبة إليه سوى تحصين من حكم عدالة لم تُكمل مهمتها، ليبقى أنّ البقية من المرشحين أمامهم مسار إلزامي بطرح أفكارهم وخطط عملهم، وأن يلتزموا بها فالرأي العام بكلّ فئاته وأطيافه سيكون بانتظار الثناء أو المحاسبة المعنوية وربما القانونية.
