شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

زلة المفتي إمام تثير غضب النخب الطرابلسية والسنية وتحرج المؤيدين

دار الفتوى ليست حزباً لكنّها دار الثوابت الإسلامية والوطنية

ثوابت دار الفتوى تتمحور حول مشروع الدولة ولا تقبل الذوبان في الدويلة

هل المسلمون محكومون بين مفت عميل ومفت هزيل؟

أحمد الأيوبي

صدمت زيارة القائم بأعمال مفتي طرابلس الشيخ محمد إمام إلى النائب فيصل كرامي لتهنئته بقرار المجلس الدستوري قبول الطعن وتفويز “الأفندي” بالمقعد النيابي الذي شغله النائب رامي فنج،  مما أدخل دار الفتوى في إشكالية حقيقة، كان أهل طرابلس والشمال قد ظنّوا أنّها قد انتهت، مع قيام نواب طرابلس الفائزين بزيارة دار الفتوى باعتبارها المرجعية الجامعة التي يُؤتى إليها ولا تأتي هي إلى دائرة الاستقطاب السياسي.

لم تكن زيارة الشيخ إمام للنائب كرامي الزلة اليتيمة لدى المرشحين لإفتاء طرابلس، فقد سبقه إليها القاضي الشيخ سمير كمال الدين الذي لم يستطع الانتظار فحضر مهنّئاً باعتباره المرشح الأكثر التصاقاً بـ”الأفندي”.

غير أنّ السبّاق في هذا المسار كان رئيس محكمتي طرابلس وجبيل الشرعية السنية القاضي وسام السمروط عندما زار النائب السابق الدكتور علي درويش في مكتبه في 15 تشرين الثاني 2022 في جبل محسن، في خطوة مستغربة من مرشح للإفتاء من غير المعتاد أن يقوم بهذه الزيارات، خاصة أنّها كانت إلى جبل محسن في إشارة استفزازية مستغربة، وكأنّها استرضاء للعلويين ومن ورائهم مرجعيتهم المحلية والخارجية، فكانت الزيارة الأكثر إثارة للعجب والدهشة والاستغراب!

ومن غير المفهوم أيضاً أن يقع الشيخ محمد إمام في زلّة أخرى، من خلال مشاركته في ندوة وتوقيع كتاب “التأريخ الشعري وجماليته عند الشعراء العلويين” وكأنّ مقام الإفتاء تحوّل إلى النقد الأدبي، وتحوّل تقرّباً غير مفهوم من العلويين ومن مرجعياتهم المحلية والخارجية أيضاً.

وحتى لا يُفهم من كلامنا رفض زيارة العلويين، فإنّ زيارتهم واجبة والتواصل معهم من أصل العمل الوطني والإسلامي والدعوي، لكنّنا نتحدث هنا عن التوقيت وتلبيس هذا التواصل لبوس التأثير في انتخابات دار الفتوى، على يد بعض المرشحين، في بداية السباق الانتخابي لإفتاء طرابلس، خاصة بعد إعلان تشكيل مجلس علوي ومفتين في بيروت والمناطق وما أثارته من إشكالات.

ألم يحن وقت تحرير دار الفتوى من سطوة السياسة؟

مع هذه الزلّات للمرشحين أمام السياسيين عادت الأسئلة لتطرح نفسها: أليس من المفترض أن تتحرّر دار الفتوى من سطوة السياسيين بدل الانزلاق لفتح الباب أمامهم للسيطرة عليها؟

وبعد أن أصبح قرار لبنان مصادراً والطائف يتعرّض للخنق والاغتيال، ورئيس الجمهورية يغيب في غياهب الفراغ، ورئيس الحكومة معطلاً ورئيس المجلس النيابي مشلول دستورياً، هل وصل الدور إلى دار الفتوى؟

وهل نحن محاصرون بين مفتٍ عميل أو مفتٍ هزيل؟

ماذا أراد الشيخ محمد إمام أن يقول بزيارته للنائب كرامي؟

من حيث الشكل: هو ليس مجرّد مرشح للإفتاء، بل إنّه يشغل منصب المفتي بالوكالة ومنصب أمين الفتوى بالأصالة، ولا يصحّ منه أن يقصد سياسياً في منزله، بعد أن قصده النواب الذين فازوا في دار الفتوى وأقرّوا بالمرجعية التي يمثّلها، وهي يؤتى إليه ولا يذهب إلى السياسيين.

هل يريد الشيخ محمد إمام أن يقول إنّه يتنافس مع المرشح الآخر القاضي سمير كمال الدين في خطب ودِّ خطّ الممانعة الذي يمثله كرامي، ويسعى لنيل تأييده في انتخابات الإفتاء، وهو سيلقى تشجيعاً كلامياً لإبقاء التنافس والانقسام بين المرشحين لصالح مرشح الممانعة الذي بات معلوماً.

ألا يعلم سماحة المفتي بالتكليف أنّ هذه الخطوة ستفتح عليه أبواب شرٍّ لا تنغلق بسهولة، فمن الذي وسوس له بأن يقوم بها ويتورّط في وحول الصراع السياسي، وهو كان يجانبه ويسعى للتهرّب منه طيلة سنوات؟

ألا يعلم سماحة الشيخ إمام أنّ كرامي لن يؤيِّد مرشحاً للإفتاء إلاّ إذا كان يخدم خطّه ومشروع “حزب الله” السياسي، وهو الذي تحدّث عن إنشاء جبهة سياسية عريضة في إطار إعادة تموضعه ضمن معسكر الممانعة، خاصة أنّ “الأفندي” كان الوزير الشيعي الخامس في ذات حكومة ميقاتية..!

التساؤلات نفسها تنطبق على بقية المرشحين الذين أوقعوا أنفسهم في حراجة الموقف من دون تفكير بما قد ينتج عنها من نتائج وتداعيات، ولكنّ وقـْعَ ما وقع به الشيخ إمام أكبر لأنّ الناس كانت تنتظر منه التسامي والترفع عن الانزلاق إلى سؤال السياسيين مباشرة أو إيحاءاً، أو خطأً في التقدير.

دار الفتوى.. دار الثوابت

صحيح أنّ دار الفتوى ليست حزباً ولا طرفاً سياسياً، لكنّ للدار ثوابت إسلامية ووطنية، يقف خطّ الممانعة على النقيض منها، من حيث المنطلقات والأهداف والنتائج، وخاصة فيما يتعلّق بالسلاح غير الشرعي وسطوته، لذلك  فإنّ مسايرة النائب كرامي وزيارته لا يمكن تفسيرها إلاّ في إطار طلب الدعم الانتخابي منه ومن فريقه السياسي من ورائه، وهذا مسلك شديد الخطورة، ربما لم يخطر للشيخ إمام لكنّه وقر في وعي الناس على هذا النحو الواضح.

بعد زيارة الشيخ إمام لكرامي ومشاركته في حفل توقيع كتاب عن “الشعر العلوي” مؤخراً، أصبح من حقنا أن نتساءل: عمّا إذا كان العلم الشرعي وحده كافياً لملء منصب المفتي، خاصة إذا كان السلوك في الحقل السياسي متعثّراً ومقاربة الثوابت من خلاله ملتبسة وغير واضحة؟

ليست المسألة دعوة لمقاطعة النائب كرامي أو سواه، لكنّ يجب الثبات على أنّ دار الفتوى هي الثابت وعلى الساسة أن يتحرّكوا نحوها وليس العكس، خاصة عندما يتعرّض المفتي الزائر للتهميش البروتوكولي كما حصل في زيارة الشيخ إمام.

خسارة مزدوِجة للشيخ إمام

خسر الشيخ محمد إمام في الاتجاهين:

ــ فهو أخطأ إذا ظنّ، وبعض الظنّ إثم، أنّ كرامي سيمنحه دعمه وتأييده إذا زاره مهنِّئاً، فهذا لن يحصل.

ــ وخسر عندما أثار الإحباط على جميع من راهنوا على حكمته وبصيرته ودرايته، في فهم مكانة الموقع الذي يشغله وفي إدارك الحقائق البائنة في الصراع المحتدم في البلد، حيث لا يمكن اتخاذ وضعية التجاهل بذريعة الحياد، فلا حياد بين الحق والباطل ولا وسطية بين العدالة والظللم ولا برزخاً بين الدولة ومشروع الدويلة.

قد يوسوس البعض للشيخ إمام بالقول إنّ معالجة زلّة زيارة كرامي هي بالقيام بجولة على بقية السياسيين حتى لا يُحسب عليه أنّه مال إلى أحدهم من دون الآخر، وهذا اتجاه كارثي، لأنّ الخطأ لا يصحَّحُ بأخطاء، ونقول للشيخ إمام إنّ السياسة ليست حقلك وهي مليئة بالألغام وليس لديك الكاسحة لإزالتها من أمامك، فليسعك بيتك!

أمّا بقية المرشحين، فالقاعدة في سلامة مسالكهم تكمن في حفظ كراماتهم وابتعادهم عن سؤال السياسيين وأن يكونوا في موضع الثبات فمن أرادهم جاء إليهم.

شاركها.