شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

أحمد الأيوبي

أطلق إعلام الممانعة حملة تزوير وتضليل للرأي العام حول مسألة الزعامة السنية في طرابلس، ليعطيها الانعكاس على مستوى البلد، في محاولة لإقناع الناس بأنّ النائب فيصل كرامي هو الأول في الحضور والثابت في المعادلة، وأنّ سواه طارئون ولا يمتلكون القدرة على العمل السياسي، في حين سارع كرامي إلى تصويب سهامه على النائب أشرف ريفي الذي أشار إلى وجود عوامل سياسية في قرار قبول الطعن من المجلس الدستوري، سواء من حيث الترتيب الزمني لصدور القرارات عنه، أو لجهة مضمون الطعن الذي أعاد الأفندي إلى النيابة.

لا ندري عن أيّ زعامة يجري الحديث عنها وصاحبها احتاج كلّ هذا الوقت لإفراج الرئيس نبيه بري عن قرار المجلس الدستوري لأنّه صاحب الكلمة الفصل فيه، وهو لم يكن مقتنعاً بهذه الخطوة لكنّ الضغوط المتواصلة من “حزب الله” أدّت إلى هذا التغيير، مع التذكير بأنّ العضو السني في المجلس الدستوري إعترض على القرار.

مقاربة الأرقام.. لملمة الأصوات لكرامي

نال أشرف ريفي 11 ألف صوت وحصل كرامي على 6494 ولملم له المجلس الدستوري بضعة عشر صوتاً من أكثر من 150 صندوق اقتراع، كثير منها أعطاه صوتاً واحداً فقط، لتصبح النتائج استبعاد الدكتور رامي فنج والإتيان بمرشح علوي ملغوم آخر سارع لزيارة كرامي وتأييد “حزب الله” رغم أنّه ترشح على لائحة “إنتفض للعدالة للسيادة” وهو حيدر آصف ناصر.

من يقرأ قرار المجلس الدستوري ويرى كيف تمّت استعادة الأصوات من قرابة المائة وخمسين صندوقاً، وكيف جيء من كلّ صندوق بصوت واحد، لا أحد يعرف كيف اختفى وكيف استُحضر، يدرك أنّ ما جرى كان عملاً متواصلاً لقلب المعادلة في السياسة، ولو أخذت شكل قرار من المجلس الدستوري، له البعد القانوني المعروف.

الإرادة السياسية والهوية العربية

الزعامة هنا لا تقتصر على الأوصات، بل على الاتجاهات التي ذهبت فيها أصوات الأغلبية من أبناء طرابلس، والتي عمل خطّ الممانعة على كسرها، لكنّها لا تستطيع إلغاء أنّ الرقم الأعلى صوّت لأشرف ريفي، ليس لشخصه فحسب، بل لتوجهاته السياسية السيادية، وهذا هو وجه طرابلس الرافض لهيمنة السلاح غير غير الشرعي والمطالب بالدولة وبحقه في التنمية العادلة.

لا يمكن التوفيق بين الحق والباطل وبين السلاح غير الشرعي والدولة

يحاول “الأفندي” التوفيق بين تأييده لما يسميه المقاومة وبين ما يعتبره صداقته مع المملكة العربية السعودية، لكنّها علاقة لا يمكن أن تستوي لأنّ اختلاف كرامي الذي يدعيه مع الحزب هو خلاف على القشور، أما في البعد الاستراتيجي فالموقف محسوم.
كما أنّ للصداقة مع السعودية حقوقاً، أهمها إدانة سياسة “حزب الله” في اليمن ورفض حربه على الشعب السوري وضرورة كفّ عبثه في العراق، وحتمية إنهاء ظاهرة سلاحه غير الشرعي في الداخل، وفي أقلّ تقدير التوصل إلى استراتيجية وطنية للدفاع تنهي ثنائية السلاح بين الدولة والدويلة، ولا تسمح باستنساخ تشريع الحشد الشيعي في العراق.

“الرئيس” الممانع فيصل كرامي
في عودة لقضية الزعامة، يعمل إعلام الممانعة على تأهيل كرامي لرئاسة الحكومة في المرحلة المقبلة، ويصوّره على أنّه مقبول سعودياً وهو حليف للمانعة وللنظام السوري، ويحاول هذا الإعلام أن يوحي أنّ هوية طرابلس العربية المقاوِمة، هي نفسها التابعة للمحور الإيراني، وهذا خلطٌ فاشل، لأنّ العروبة الطرابلسية قاومت النظام السوري الذي حاصرها وارتكب فيها المجازر، ورفضت غزو “حزب الله” الذي غطى جريمة تفجير مسجدي السلام والتقوى.
هل يملك “الأفندي” القدرة على دعم المسار القضائي المعطل لقضية تفجير المسجدين وإعلان المطالبة بالوصول إلى العدالة فيها وهي تطال رؤوساً كبيرة محلياً وسورياً؟
الجواب قطعاً لا بعد مرور كلّ هذه السنوات وكرامي لائذٌ بالصمت المريب حول هذه القضية.

معايير الزعامة.. بالتعبير عن إرادة الناس
إنّ الزعامة التي يريدها أبناء طرابلس لا تستند إلى مجد باطل ولا إلى إرثٍ زائل، ولا تستمدّ شرعيتها من الاستقواء بالأذرع السياسية والأمنية لـ”حزب الله” ومحوره، ولا تكون بالاصطفاف في محوره، والحديث عن جبهة سياسية عريضة مختلفة عن اللقاء التشاوري، ليس سوى تسويق فاشل لأنّه لم يخرج من تموضعه الأساس في المحور الممانع.
يحتاج السنة إلى قيادة سياسية تعمل وفق القواعد المؤسساتية التي ترسي الاستقرار الداخلي بمؤسسات حزبية تتسع لتتجاوز الحالة الفردية للنائب أو الوزير أو الوريث، كما أنّ طرابلس تحديداً معنية بالتغيير وتواقة لكسر احتكارات الوراثة والمال، خاصة إذا انحرفت عن مسارها الوطني.

عندما خاض أشرف ريفي والقوات اللبنانية وحلفاؤهما المعركة الانتخابية، كان الجوّ السائد تقدّم كاسح لكرامي ومحوره، نظراً لما يملكه هذا المحور من إمكانات مالية وإعلامية ومجنسين يأتون غبّ الطلب، لكنّ الآية انقلبت وسيبقى رامي فنح معبّراً عن نبض طرابلس السيادي، حتى لو عاد فيصل كرامي بقرار سياسي دستوري ملتبس.

شاركها.