يستمد “ح ز ب ال له” قوته من ثلاثة عناصر أساسية:
سلاحه، الإطباق على طائفته وتحالفاته، ومن دون العنصر الأخير يتحول إلى أقلية سياسية غير مؤثرة في الحياة الوطنية وسلاحه لا يُخيف سوى ضعفاء النفوس، ومن هنا فإن تحالف الحزب الأساسي الذي أساء إلى لبنان واللبنانيين وأجهض انتفاضة الاستقلال هو الذي أبرمه مع العماد ميشال عون في 6 شباط 2006 والذي مدُّه بكتلة نيابية كبيرة وغطاء مسيحي، ولولا هذا التحالف لكان سلك مسار العبور إلى الدولة، الذي أطلقته قوى 14 آذار، مسارًا مختلفًا، خصوصًا أنّ كل تحالفات الحزب الأخرى ثانوية وهامشية.
وعلى رغم أنّ المشكلة الرئيسية منذ خروج الجيش السوري من لبنان تتمثّل في سلاح “ح ز ب ال له” الذي يحول دون قيام دولة فعلية، كما في دوره الذي يسيء إلى علاقات لبنان الخارجية وتحديدًا الخليجية، فإنّ المشكلة التي لا تقلّ خطورة عن الحزب وإساءة للبنان تكمن في تحالفاته التي مدّته بمزيد من القوة والنفوذ والتأثير، وخطيئة القوى الحليفة للحزب مضاعفة كونها لم تتحالف معه اقتناعًا بمشروعه المذهبي الذي لا علاقة له بلبنان، إنما بهدف أن يمنحها السلطة مقابل أن تمنحه الغطاء لسلاحه.
وهذه الفئة السياسية مجرمة بحقّ لبنان واللبنانيين لأنها تسعى إلى السلطة على حساب الدولة والدستور والمبادئ الأساسية التي توافق عليها اللبنانيون في اتفاق الطائف لإنهاء الحرب الأهلية، وهذا يندرج في باب الفساد السياسي، لأن الفساد ليس فقط من طبيعة مالية ورشوة وسمسرات وصفقات، إنما طبيعته السياسية أخطر بكثير بسبب تآمره مع الغريب على أبناء البلد.
وقد طالعنا النائب جبران باسيل، أمس، بتغريدة كاتبًا “اتفاق الترسيم والاستخراج هو نموذج عن كيف تكون الاستراتيجية الدفاعية بحيث تكون الدولة المرجع الأساس فيها والمقاومة عنصر قوة مساند وملتزم بسياسة الدولة وقرارها، وهيك مشروع المقاومة لا يتعارض مع مشروع الدولة وبنائها لا بل يعزِّزه”.
وقبل مناقشة مضمون موقفه الذي لا علاقة له بالواقع لا بدّ من لفت النظر إلى أنّ الهدف من هذا الموقف توجيه رسالة رئاسية مزدوجة:
- الأولى إلى “ح ز ب ال له” بأنّه لن يكون في وارد المطالبة بتطبيق الدستور ودعوته إلى تسليم سلاحه، بل سيواصل ما بدأه الرئيس ميشال عون بتكريس ازدواجية الدولة وما يسمى المقاومة، وانّه بانتظار الظروف التي تسمح بتعديل دستوري يشرِّع سلاح الحزب، فإنه سيسهر على حماية هذه الازدواجية.
- والرسالة الثانية إلى الولايات المتحدة بأنّه، بعد الرئيس عون، الوحيد القادر على أداء دور الوسيط بين واشنطن وحارة حريك، وأنّ ما تحقّق في الترسيم البحري مع إسرائيل يمكن أن ينسحب على الترسيم البري، وانّه باستطاعة واشنطن الاتكاء عليه في كل ما يتصل بالحزب وأمن إسرائيل.
ويظنّ النائب باسيل أنّ الرأي العام اللبناني غير ملمّ بالأوضاع السياسية ومفصول عن الواقع وتقتصر متابعته على ما يعلنه رئيس التيار من مواقف، فيما القاصي يعلم والداني أيضًا انّه لولا مصلحة “ح ز ب ال له” بالترسيم لما تحقّق هذا الترسيم، ولو لم يكن الحزب مصنَّفًا إرهابيًّا لتولى المفاوضات مباشرة ولما استعان بالدولة كأداة لتحقيق رغبته بالتفاصيل التي أشرف عليها.
فكل المشكلة في لبنان ان “ح ز ب ال له” يصادر قرار الدولة الاستراتيجي، والترسيم هو من القرارات الاستراتيجية، ولو لم تكن هذه الخطوة تتلاءم مع استراتيجيته لما سمح بحصولها، واي كلام آخر هو كذب على اللبنانيين، على رغم أن بعض الخطوات التي يحقِّقها أعداء لبنان لاعتباراتهم وأسبابهم تفيد اللبنانيين لجهة أنّ اي ترسيم للحدود اللبنانية يصبّ في مصلحة نهائية لبنان وسيادته.
وبالمناسبة، عن أي تكامل يتحدّث باسيل بين الدولة وما يسمى المقاومة، فهل يقصد التكامل في حرب تموز 2006 عندما غدر بالمتحاورين واعدًا بصيف هادئ، أم عندما اجتاح بيروت في أيار 2008، أم عندما أجرى محاكاة القمصان السود، أم عندما خرج إلى القتال في سوريا، أم عندما اعتدى ويعتدي على علاقات لبنان الخارجية والخليجية تحديدا؟
إن مواقف النائب باسيل مكشوفة، فهو يريد مواصلة اتفاق مار مخايل على حساب اتفاق الطائف، وهو يصرّ على إبقاء لبنان رهينة لدى إيران، وكل معادلته المصلحية السلطوية والرئاسية بالتكامل بين الدولة وما يسمى بالمقاومة مرفوضة رفضًا باتًا، وهذه المقاومة تشكل أكبر عنصر ضعف للبنان لا قوة، ويستحيل ان تستعيد الدولة اللبنانية قوتها قبل تسليم “ح ز ب ال له” سلاحه للدولة.
وأهمية انتهاء ولاية الرئيس عون تكمن في إفقاد “ح ز ب ال له” ورقة قوة من باب رئاسة الجمهورية، ومن الخطيئة عدم إقفال هذا الباب بشكل نهائي أمام الحزب.
