بوريس بونداريف – اندبندنت عربية
على مدى ثلاث سنوات، كنت أبدأ أيام العمل بالطريقة نفسها. لقد اعتدت أن أستيقظ في الساعة 7:30 صباحاً وأتفقّد الأخبار ثم أتوجّه للعمل في مكتب بعثة روسيا لدى الأمم المتحدة في جنيف. في الواقع، كان ذلك الروتين سهلاً لا تشوبه المفاجآت، وهما صفتان مميزتان تتّسم بهما حياة رجل دبلوماسي روسي.
بيد أن يوم 24 فبراير (شباط) كان مختلفاً. عندما تحققت من هاتفي، رأيت أخباراً مروعة ومخيفة: كانت القوات الجوية الروسية تقصف أوكرانيا. وتعرّضت خاركيف وكييف وأوديسا للهجوم، وكانت القوات الروسية تندفع من شبه جزيرة القرم باتجاه مدينة خيرسون الجنوبية، فيما حوّلت الصواريخ الروسية المباني إلى أنقاض ودفعت السكان إلى الفرار. شاهدتُ مقاطع فيديو للانفجارات التي يرافقها دوي صفَّارات إنذار الغارات الجوية، ورأيت أشخاصاً يركضون في حالة من الذعر.
بصفتي شخصاً وُلد في الاتحاد السوفياتي، ظننت أن الهجوم أمرٌ محال تقريباً، على رغم أنني سمعت تقارير إخبارية غربية تفيد بأن الغزو قد يكون وشيكاً. في الحقيقة، كان من المفترض أن يكون الأوكرانيون أصدقاءنا المقربين، وكانت تجمع بيننا أمور كثيرة مشتركة، بما في ذلك تاريخ من محاربة ألمانيا كوننا جزءاً من البلد نفسه. آنذاك، خطرت ببالي كلمات أغنية وطنية شهيرة من الحرب العالمية الثانية، وهي أغنية يعرفها كثير من سكان الاتحاد السوفياتي السابق حق المعرفة: “في 22 يونيو (حزيران)، في تمام الساعة الرابعة صباحاً، تعرضت كييف للقصف، وقيل لنا إن الحرب قد بدأت”. وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غزو أوكرانيا بأنه “عملية عسكرية خاصة” تهدف إلى “اجتثاث النازية” من جارة روسيا. ولكن في أوكرانيا، كانت روسيا هي التي تلعب دور النازيين.
فقلت لزوجتي: “هذه هي بداية النهاية”. وقررنا أنه حان وقت استقالتي.
كانت الاستقالة تعني التخلي عن مسيرة مهنية دامت عشرين عاماً في منصب دبلوماسي روسي، وعن صداقات كثيرة رافقت تلك المهنة، بيد أنه كان قراراً وُجب اتخاذه منذ فترة طويلة. عندما انضممت إلى الوزارة عام 2002، كان ذلك خلال فترة من الانفتاح النسبي، وكان بإمكاننا نحن الدبلوماسيون آنذاك العمل بشكل ودي مع نظرائنا من البلدان الأخرى. وعلى رغم ذلك، كان من الواضح منذ الأيام الأولى لي هناك أن وزارة الخارجية الروسية كانت تشوبها عيوب كثيرة. فحتى في ذلك الوقت، لم تكن تشجّع التفكير النقدي، وطوال الفترة التي توليت فيها المنصب، أصبحت عدائية بشكل متزايد. وبقيت فيها على أي حال، مسيطراً على الأفكار المتصارعة التي تراودني من خلال الأمل في أن أتمكن من استخدام أي سلطة أمتلكها من أجل تهدئة سلوكيات بلادي على الصعيد الدولي. لكنّ بعض الأحداث يمكن أن تدفع المرء إلى قبول أشياء لم يجرؤ على تقبّلها من قبل.
في الواقع، جعل غزو أوكرانيا من المستحيل إنكار مدى وحشية روسيا وقمعيّتها. كان عملاً همجياً شنيعاً، يهدف إلى إخضاع إحدى الدول المجاورة ومحو هويتها العرقية. وقد منح ذلك موسكو ذريعة لسحق أي معارضة داخلية. والآن، ترسل الحكومة الآلاف من الرجال الذين تم تجنيدهم ليقتلوا الأوكرانيين. إذاً، تُظهر الحرب أن روسيا لم تعد دكتاتورية وعدوانية فحسب، بل أصبحت دولة فاشية.
لكن بالنسبة إلي، كان أحد الدروس الأساسية المستفادة من الغزو متعلقاً بشيء شاهدته على مدى العقدين الماضيين: ماذا يحدث عندما تتشوه الحكومة ببطء بسبب البروباغندا الخاصة بها. لسنوات، كان الدبلوماسيون الروس يُجبرون على مواجهة واشنطن والدفاع عن تدخل البلاد في الخارج مستندين إلى أكاذيب وتصريحات غير منطقية. لقد تعلمنا أن نستخدم الخطاب المنمق وأن نكرر للدول الأخرى ما قاله الكرملين لنا كالببغاوات. لكن في النهاية، لم يكن الجمهور الذي تستهدفه هذه البروباغندا هو الدول الأجنبية فحسب؛ بل قيادتنا أيضاً. في البرقيات والتصريحات، أُجبرنا على إخبار الكرملين بأننا أقنعنا العالم بعظمة روسيا وهدمنا حجج الغرب. كان علينا الامتناع عن توجيه أي انتقاد لخطط الرئيس الخطيرة. وقد ظهر هذا السلوك حتى على أعلى المستويات في الوزارة. أخبرني زملائي في الكرملين مراراً وتكراراً أن بوتين يحبّ وزير خارجيته، سيرغي لافروف، لأنه “مرتاح” في العمل معه، فهو دائماً ما يوافق الرئيس الرأي في كل شيء ويخبره بما يريد أن يسمعه. لا عجب إذن أن بوتين اعتقد أنه لن يواجه مشكلة في هزيمة كييف.
إن الحرب هي دليل صارخ يُظهر أن القرارات المتخذة في بيئة يغلب عليها نمط من الأفكار المتوافقة يمكن أن تأتي بنتائج عكسية. لقد فشل بوتين في محاولة غزو أوكرانيا، وهي مبادرة كان من الممكن أن يفهم استحالتها لو كانت حكومته مركّبة بطريقة تخوّلها تزويده بتقييمات صادقة. بالنسبة إلى أولئك منا الذين عملوا في القضايا العسكرية، كان من الواضح أن القوات المسلحة الروسية لم تكن قوية بقدر ما كان الغرب يخشى أن تكون، ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى القيود الاقتصادية التي نفّذها الغرب بعد استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم عام 2014، وقد تبيّن أنها كانت أكثر فاعلية مما ظنّه صانعو السياسة.
واستطراداً، أسهم غزو الكرملين في تقوية حلف الناتو الذي يُعتبر كياناً صُمّم لإذلاله، وأسفر عن عقوبات قوية بما يكفي لجعل الاقتصاد الروسي ينكمش. لكنّ الأنظمة الفاشية تكتسب شرعية من خلال فرض سلطتها وليس من خلال تحقيقها مكاسب اقتصادية، ويُعتبر بوتين عدوانياً للغاية ومنفصلاً عن الواقع لدرجة أنه من المستبعد أن يوقفه الركود. ومن أجل تبرير حكمه، يريد بوتين بلوغ النصر العظيم الذي وعد به ويعتقد أنه قادر على تحقيقه. إذا وافق على وقف إطلاق النار، فلن يكون ذلك إلا بهدف منح القوات الروسية استراحة قبل مواصلة القتال. وإذا فاز في أوكرانيا، فالأرجح أنه سيتحرك لمهاجمة دولة أخرى من دول ما بعد الاتحاد السوفياتي، مثل مولدوفا، التي تدعم فيها موسكو منطقة انفصالية.
إذاً، هناك طريقة واحدة فحسب من أجل إيقاف دكتاتور روسيا، وهي تتمثل بتنفيذ ما اقترحه وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن في أبريل (نيسان): إضعاف الدولة “لدرجة جعلها عاجزة عن فعل الأشياء التي قامت بها في غزو أوكرانيا”. قد يبدو هذا وكأنه مهمة صعبة، لكنّ الجيش الروسي تمّ إضعافه بشكل كبير، وفقدت البلاد عدداً كبيراً من أفضل جنودها. وبدعم واسع من الناتو، أصبحت أوكرانيا قادرة في نهاية المطاف على هزيمة روسيا في الشرق والجنوب، تماماً كما فعلت في الشمال.
في حال هُزم، سيواجه بوتين موقفاً خطيراً في الداخل. وسيكون عليه أن يشرح للنخبة والشعب لماذا خذل توقعاتهم. كذلك، سيتعين عليه أن يخبر عائلات الجنود الذين قُتلوا عن سبب هلاكهم هباءً. وبفضل ضغط العقوبات المتزايد، سيتعين عليه القيام بكل هذا في وقت يكون الروس أسوأ حالاً مما هم عليه اليوم. وقد يفشل في هذه المهمة، ويواجه رد فعل عنيفاً واسع النطاق، فيتم إقصاؤه. ومن الممكن أيضاً أن يبحث عن كبش فداء فيطيح به المستشارون والنواب الذين يهدد بتطهيرهم. في كلتا الحالتين، إذا رحل بوتين، فستتاح لروسيا فرصة إعادة إعمارها حقاً، والتخلي أخيراً عن أوهام العظمة التي تراودها.
أحلام مستحيلة
ولدتُ عام 1980 لأبوين ينتميان إلى الطبقة الوسطى من نخبة المثقفين السوفيات. كان والدي خبيراً اقتصادياً في وزارة التجارة الخارجية، ووالدتي تدرّس اللغة الإنجليزية في معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، وهي ابنة جنرال قاد فرقة المشاة المسلّحين بالبنادق خلال الحرب العالمية الثانية ونال وسام “بطل الاتحاد السوفياتي”.
كنا نعيش في شقة كبيرة في موسكو خصصتها الدولة لجدي بعد الحرب، وحظينا بفرص لم تكن متاحة لمعظم السكان السوفيات. تم تعيين والدي في منصب في مشروع سوفياتي سويسري مشترك، ما أتاح لنا العيش في سويسرا في عامي 1984 و1985. بالنسبة إلى والديّ، اعتُبرت تلك الفترة الزمنية فترة تحولية. لقد اختبرا شعور العيش في بلد ثري، تتوافر فيه وسائل الراحة التي كان الاتحاد السوفياتي يفتقر إليها، على غرار عربات التسوق ورعاية أسنان عالية الجودة.
وبصفته خبيراً اقتصادياً، كان والدي على علم بالفعل بالمشكلات الهيكلية التي يعاني منها الاتحاد السوفياتي. لكنّ العيش في أوروبا الغربية دفعه وأمي إلى التشكيك في النظام بشكل أعمق، وكانا متحمسين عندما أطلق ميخائيل غورباتشوف البيريسترويكا في عام 1985، وعلى ما يبدو، كان ذلك حال معظم سكان الاتحاد السوفياتي. في الواقع، لم يكن المرء مضطراً للعيش في أوروبا الغربية لكي يدرك أن متاجر الاتحاد السوفياتي تقدم مجموعة محدودة من منتجات منخفضة الجودة، مثل الأحذية التي كانت تسبب ألماً عند انتعالها. وفي الحقيقة، عرف سكان الاتحاد السوفياتي أن الحكومة كانت تكذب عندما زعمت أنها تقود “البشرية التقدمية”.
وبالاسترجاع، اعتقد عدد كبير من المواطنين السوفيات أن الغرب سيساعد بلادهم أثناء انتقالها إلى اقتصاد السوق. ولكن ثبت أن هذه الآمال ساذجة، فالغرب لم يزود روسيا بدرجة المساعدة التي اعتقد كثير من سكانها، وبعض الاقتصاديين الأميركيين البارزين، أنها ضرورية من أجل مواجهة التحديات الاقتصادية الهائلة في البلاد. وعوضاً عن ذلك، شجع الغرب الكرملين حين رفَع بسرعة قيود الأسعار وخصخص موارد الدولة على عجل. ونتيجة لهذا الإجراء اغتنت مجموعة صغيرة من الناس بشكل كبير عن طريق الاستفادة من الأصول العامة. لكن بالنسبة إلى معظم الروس، أدى ما يسمى العلاج بالصدمة إلى الفقر والعوز. حدث تضخم جامح، وانخفض متوسط العمر المتوقع. في الحقيقة، مرت البلاد بفترة من التحول الديمقراطي، لكن جزءاً كبيراً من الناس يربط الحريات الجديدة بالفقر [يعتبر أن الحريات الجديدة هي مرادف للفقر]. نتيجة لذلك، تأثرت مكانة الغرب في روسيا بشكل خطير.
ثم تلقت مكانة الغرب ضربة كبيرة أخرى بعد حملة الناتو عام 1999 ضد صربيا. بالنسبة إلى روسيا، بدت التفجيرات وكأنها عدواناً تشنّه قوة هائلة ضد ضحية صغيرة أكثر من كونها عملية عسكرية تهدف إلى حماية الأقلية الألبانية في البلاد. أتذكر بوضوح مروري سيراً على الأقدام بجوار سفارة الولايات المتحدة في موسكو في اليوم التالي بعد أن هاجمتها حشود هائجة ولاحظتُ آثار الطلاء الذي لطّخ جدرانها.
بصفتي ابناً لوالدين ينتميان إلى الطبقة المتوسطة، إذ إن والدي ترك الخدمة المدنية في عام 1991 وبدأ مشروعاً صغيراً ناجحاً، فقد عشت هذا العقد من الاضطرابات بطريقة غير مباشرة في الغالب. كانت سنوات مراهقتي مستقرة، وبدا مستقبلي متوقعاً إلى حد ما. أصبحت طالباً في نفس الجامعة التي كانت تدرس فيها والدتي وركزت على العمل في الشؤون الدولية مثل والدي. لقد استفدت من الدراسة في وقت كان الحوار الروسي حراً ومفتوحاً. وشجعنا أساتذتنا على قراءة مجموعة متنوعة من المصادر، بما في ذلك بعض المصادر التي كانت محظورة سابقاً. وكنا نجري مناقشات في الصف. في صيف عام 2000، دخلت بحماسة إلى وزارة الخارجية لكي أتلقى تدريباً داخلياً، مستعداً لبدء مهنة كنت آمل في أن تعلّمني أموراً عن العالم.
لكنّ تجربتي كانت مخيبة للآمال. فعوضاً عن العمل مع النخب الماهرة ببدلات أنيقة، وهي الصورة النمطية للدبلوماسيين في الأفلام السوفياتية، كنت تحت إمرة مجموعة من الرؤساء المنهكين في منتصف العمر الذين يؤدون بكسلٍ مهام مملة، على غرار صياغة مواضيع النقاش الخاصة بالمسؤولين الرفيعي المستوى. في معظم الأحيان، كان يبدو أنهم لا يعملون على الإطلاق، يجلسون وهم يدخنون ويقرأون الصحف ويتحدثون عن خططهم لعطلة نهاية الأسبوع. وكانت فترة تدريبي في الغالب عبارة عن إحضار الصحف وشراء الوجبات الخفيفة لهم.
قررت الانضمام إلى الوزارة على أي حال. كنت متحمساً لكسب رزقي بنفسي، وبقيت متأملاً بأن أعرف المزيد عن أماكن أخرى من خلال السفر بعيداً من موسكو. عندما تم تعييني في عام 2002 في منصب مساعد ملحق في السفارة الروسية في كمبوديا، شعرت بالسعادة، إذ كنت سأحظى بفرصة استخدام مهاراتي اللغوية الخميرية ودراساتي عن جنوب شرقي آسيا.
نظراً لأن كمبوديا تقع على هامش المصالح الروسية، لم يكن لدي الكثير من العمل لأقوم به. لكن العيش في الخارج كان بمثابة ترقية مقارنة مع الحياة في موسكو. في الواقع، يحصل الدبلوماسيون المتمركزون خارج روسيا على أموال أكثر بكثير من أولئك الذين تم تعيينهم محلياً. وكان نائب المسؤول في السفارة، فياتشيسلاف لوكيانوف، يقدّر المناقشة المفتوحة وشجعني على الدفاع عن آرائي. وكان موقفنا من الغرب ودّياً إلى حد ما. لطالما كانت لدى وزارة الخارجية نزعة معادية لأميركا، وهي نزعة موروثة عن سابقتها السوفياتية، بيد أن الانحياز لم يكن طاغياً. لم نفكر أنا وزملائي كثيراً في الناتو، وعندما فعلنا ذلك، اعتدنا أن ننظر إلى المنظمة كشريك لنا. في إحدى الأمسيات، خرجت لاحتساء الجعة مع أحد زملائي الموظفين بالسفارة في حانة تقع تحت الأرض. وهناك التقينا بمسؤول أميركي دعانا لنحتسي المشروب معه. اليوم، سيكون مثل هذا اللقاء محفوفاً بالتوتر، لكنه في ذلك الوقت شكّل فرصة لإنشاء صداقة.
ولكن كان من الواضح آنذاك أن الحكومة الروسية اتّبعت ثقافة لا تشجّع على الفكر المستقل، على رغم رغبة لوكيانوف المناقضة لذلك. ذات يوم، تم استدعائي للاجتماع بالمسؤول الثالث من حيث الأهمية في السفارة، وهو دبلوماسي هادئ في منتصف العمر انضم إلى وزارة الخارجية خلال الحقبة السوفياتية. سلّمني نصاً من برقية واردة من موسكو، وطلب مني أن أدرجها في وثيقة سنقوم بإرسالها إلى السلطات الكمبودية. لاحظت عدداً من الأخطاء المطبعية، وقلت له إنني سأصححها. فردّ فوراً، “لا تفعل ذلك! لقد وصلنا النص مباشرة من موسكو. هم أدرى بذلك. حتى لو كانت هناك أخطاء، فلسنا نحن من نقرر تصحيحها”. وكان ما حدث مجرد بداية لما تحوّل إلى نزعة متنامية في الوزارة، تتمثّل بالإذعان التام للقادة .
