الترسيم أُنجز وكل ما هو عدا ذلك مجرّد تفاصيل يجب عدم التلهي بها، ولمزيد من الدقة لا بأس من التوقُّف أمام أيّ تفصيل يتعلّق بالترسيم أو أفضى إلى الوصول إليه، ولكن هذا النقاش يجب ألّا يحرف الأنظار عن المسألة الجوهرية وهي أنّ السلطة الحاكمة غير مؤهّلة لإدارة هذا الملف، ولا ثقة بهذه السلطة الفاسدة، ومن هنا المطلوب تجميد أيّ مفاعيل عملية لهذا الاتفاق بانتظار انتخاب رئيس جديد للجمهورية ورئيس حكومة وحكومة جديدة.
ويجب التمييز بين أمرين أساسيين، أي التمييز بين ضرورة الاستفادة من لحظة دولية، وأميركية تحديدًا، قد لا تتكرّر تحقيقًا لترسيم يشكّل مطلبًا لبنانيًّا سياديًّا، لأنّ الترسيم لم يتحقّق سوى بسبب الدفع الأميركي، وبين منع الفريق الممانع من الاستفادة من الترسيم تدعيمًا لدوره الخاطف للدولة.
فلا يمكن مطالبة إسرائيل، مثلاً، بعدم الخروج من لبنان كي لا يستفيد “ح ز ب ال له” من هذا الخروج، إنما العكس هو الصحيح يجب أن يتحرّر لبنان ويستعيد سيادته، وهذه مسألة خارج أي نقاش، ولكن في المقابل يجب قطع الطريق على الحزب الذي يريد أن يوظِّف الانسحاب الإسرائيلي بما يخدم دوره وسلاحه وليس بما يخدم لبنان والشعب اللبناني، إنّما، ويا للأسف، وبدلاً من أن يسلِّم سلاحه على أثر الخروج الإسرائلي متأخّرًا عشرة أعوام عن تسليم سائر الميليشيات سلاحها، اندفع باتجاه مزيد من التمسُّك بسلاحه غير الشرعي.
وفي الوقت الذي يتحدّث فيه بعض الطارئين على الحياة السياسية، والذين يغلِّبون الاستعراض على المبادئ، عن اصطفافات يرفضونها، فإنهم يتجاهلون عمدًا أنّه لا يوجد في لبنان سوى اصطفاف واحد يمنع قيام الدولة، إذ من هو مع مشروع الدولة لا يكون مصطفًّا، وعندما خرج الجيش السوري، وهنا يكمن كلّ الفرق بين فريق لبناني وآخر إيراني، وضعت قوى انتفاضة الاستقلال كل جهدها من أجل توظيف هذا الخروج التاريخي لمصلحة قيام الدولة وليس تعزيزًا لقوى الانتفاضة، ولكن محور القتل والإرهاب حال دون انتقال لبنان من الاحتلال إلى التحرُّر.
ومَن رفض تسليم سلاحه بعد انتهاء الحرب اللبنانية في العام 1990، ومَن رفض تسليمه بعد الخروج الإسرائيلي في العام 2000، ومَن رفض تسليمه بعد الخروج السوري في العام 2005، ومَن رفض تسليمه بعد أن دمّر لبنان في تموز 2006، لن يسلِّمه بعد الترسيم، لأن لا علاقة لسلاحه بلبنان واللبنانيين.
فالترسيم حصل ونقطة على آخر السطر، والسؤال الأساسي الذي يجب أن يشكل محور نقاش بين القوى السيادية يكمن في الآتي: ما هي الخطط الواجب اعتمادها لمنع الفريق الخاطف للدولة من أن يوظِّف الترسيم واستخراج الغاز بما يخدم ويحصِّن ويعزِّز دوره الخاطف؟
فلا استقرار ولا ازدهار ولا دستور ولا قضاء ولا قانون ولا عدالة ولا دولة في ظلّ إمساك محور الممانعة بمفاصل السلطة، ولن يرتاح لبنان والشعب اللبناني قبل فصل الدولة عن محور الممانعة، وبالتالي المواجهة الأساسية هي في “قبع” هذا المحور من السلطة، فيما يخطِّط هذا المحور في كيفية توظيف الترسيم خدمة لمآربه، وهذا بالذات ما يجب منعه منعًا لمدّ محور موت بالحياة التي يستثمرها بمزيد من الموت للبنان واللبنانيين.
