شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

لا يمكن الجلوس في كرسيّ “حزب الله” والتحدّث عن الدستور واستعادة علاقات لبنان العربية

الانهيار شراكةٌ بين السلاح غير الشرعي وبين الفاسدين حلفاء الممانعة

أحمد الأيوبي

في جولته الطرابلسية، زار السفير السعودي في لبنان وليد بن عبد الله البخاري  رئيس “تيار الكرامة” فيصل كرامي والتقاه في جامعة المدينة، بحضور حشد من السياسيين والنقابيين والاطباء والمحامين والاكاديميين والاعلاميين.
في هذه المناسبة قال كرامي كلاماً متقدِّماً أبعد من المجاملات التي تسود في مثل هذه المناسبات، لأنّها شكّلت نمطاً مختلفاً من الخطاب السياسي المتعلِّق بتوجهات أحد أبرز حلفاء “حزب الله” في الشمال، وحملت بذلك معاني سياسية واضحة، خاصة في هذا التوقيت الذي تختلط فيه الاستحقاقات وتكبر المسؤوليات.

عاطفة تاريخية

بين طرابلس والمملكة

بالإضافة إلى التذكير بالعلاقة الوطيدة التي تربط المملكة بجامعة المدينة وبيد الخير والصداقة والعطاء السعودية التي شاركت في تطوير هذا الصرح التعليمي الجامعي المخصص لخدمة أبناء طرابلس والشمال.. قال كرامي إنّ “طرابلس مدينة تحمل عاطفة خاصة ومميزة واستثنائية للمملكة الشقيقة، وأن أهل طرابلس تجمعهم روابط تاريخية منذ عقود طويلة بالمملكة والقيادة السعودية وبالشعب السعودي. ولحسن الحظ فإن هذه المشاعر متبادلة فنحن ندرك تماماً ويقيناً بأنّ طرابلس موجودة بعقل وقلب السعوديين، وبأن هذه العاطفة المتبادلة أثمرت دائما كل ما يحمل الخير لمدينتنا وأهلنا”.
 

شمول طرابلس بمساعدات الصندوق السعودي الفرنسي

شكر كرامي “جلالة الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولصاحب السمو الملكي ولي العهد دولة رئيس مجلس الوزراء سمو الأمير محمد بن سلمان الذي حرص، وأصر على أن تشمل خارطة الصندوق السعودي – الفرنسي للمساعدات المخصصة للبنان على أن تشمل طرابلس والشمال، وهي بادرة كريمة متوقعة وغير مستغربة نثمنها غاليا ونعتبرها استمراراً وتأكيداً لاهتمام سموّ وليّ العهد والمملكة والقيادة السعودية بلبنان عموماً ولطرابلس والشمال على وجه الخصوص. وكلما استذكرنا أمرا طيبا سوف نجد إسم المملكة السعودية بدءا من هذا المكان حيث تفخر جامعة المدينة بمبنى المغفور له الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، وهو جزء من إسهامات كثيرة قدمتها المملكة لهذه الجامعة مرورا بكثير من الإسهامات والمشاريع الموجودة في طرابلس أو في كل لبنان وصولا إلى الدور الأساسي التي لعبته المملكة العربية السعودية، وهو دور تاريخي في إنهاء الحرب اللبنانية وفي إرساء ميثاق العيش الوطني الجديد عبر اتفاق الطائف”.

السعودية وحماية الطائف

ولتكتمل أبعاد كلمة كرامي نتوسع لنذكر أنّه توجّه بالشكر إلى “المملكة مجدداً على حرصها على التمسك باتفاق الطائف وعلى تأكيد ضرورة تطبيقه خصوصاً ما جاء في البيان السعودي الفرنسي حول لبنان وحول تطبيق الدستور وتطبيق إتفاق الطائف وانتخاب رئيس جمهورية ضمن المهل الدستورية، وهي كلها أمور تعكس حرص المملكة على استقرار وسلامة لبنان”.

اضطراب المسار عند كرامي

إلى هنا بدا المسار جيداً، لكنّه بدأ بالاضطراب عندما قارب كرامي أسباب الانهيار عندما اعتبر أنّ عنوان هذه الكارثة “يختصر بامتناع وحذر الدول الشقيقة والصديقة والمؤسسات المانحة من التعامل مع منظومة الفساد التي أوصلت بلادنا إلى هذا الدرك الأسفل، وللاسف الشديد نهج تمكن من السلطة ومن مقدرات البلاد يقابله نهج آخر. نحن الذين بنينا المؤسسات وأسسنا لدولة القانون، نحن أي عبد الحميد ورشيد وعمر كرامي ورفاقهم من كل الطوائف والأطياف، من أرسى قواعد النزاهة وحافظ على المال العام وكافح الفساد والمفسدين وحقق للبنان وضعاً اقتصادياً مستقراً وبحبوحة يشهد لها الجميع قبل أن ينقلب الزمن والمفاهيم والسياسات، وقبل أن يسود نهج النهب والهدر وتغليب المصالح الشخصية على مصلحة الدولة. نتطلع الى دعم ومساعدة المملكة العربية السعودية في استعادة نهج الاستقامة في لبنان”.

الانهيار شراكةٌ بين السلاح غير الشرعي وبين الفاسدين حلفاء الممانعة

لن أدخل في مناقشة عهود آل كرامي الكرام ومستوى إنجازاتها، فهذا حديث آخر ليس مكانه في هذا السياق، لكنّ الإشكالية الكبرى في مقاربة النائب السابق عن طرابلس، تكمن في تجاهله الكامل والمكشوف للسبب الآخر الموازي للفساد، المسؤول عن الانهيار، وهو سلاح حليفه “حزب الله”. فالدول العربية والتلك المانحة لا تعترض فقط على الفساد، رغم خطورته، لكنّ اعتراضها الأكبر هو على السلاح غير الشرعي الذي يُشهره الحزب في وجه اللبنانيين وقهرهم به ويمارس عليهم التسلّط وتعطيل الحياة السياسية، ويرفعه في وجه العرب، حيث لم تسلم منه مكة المكرّمة والرياض عاصمة مملكة الخير، التي يشيد كرامي بكرمها وفضلها على مؤسساته، وعلى لبنان بشكل عام، من دون أن يكون لها في المقابل تسلّط ولا ميليشيات ولا عدوان..

والأنكى من ذلك، أنّ هذا السلاح تحالف مع الفساد، فأنتج سلطة مجرمة قاتلة أوصلت البلد إلى قعر جهنم، بعهد رئاسيّ مشؤوم، ضاعف وسرّع من عزلة لبنان، بعد أن تحوّل إلى منصّة تصدير لآفة المخدِّرات، فضلاً عن تحويل ضاحية بيروت الجنوبية إلى مرتع لكلّ شذاذ الآفاق في العالم العربي وإلى منصات إعلامية لا تتوقف عن نشر الكراهية والفتن في عالمنا العربي.

لا يمكن الجلوس في كرسيّ “حزب الله” والتحدّث عن العروبة والدستور

لا يستطيع معالي الوزير فيصل كرامي أن يعتبر أنّ “الخيار العربيّ في لبنان هو الخيار الوحيد لأنه ببساطة هو الخيار الذي يعني نهوض وخلاص لبنان، وهو الذي ينسجم أصلا مع الوقائع والحتميات التاريخية والجغرافية والاستراتيجية والأخوية التي تجعل من لبنان جزءا لا يتجزأ من محيطه العربي ومن قضاياه العربية ومن همومه العربية. إن حرص لبنان أيها السادة على أفضل العلاقات مع الدول الصديقة، كل الدول الصديقة بلا استثناء، لا يعني أبدا ولا يمكن أن يشكل في أي لحظة ابتعادا عن الخيار العربي وعن العروبة وعن القيادات الأساسية والدول الأساسية التي تمثل العروبة في هذا الشرق ومن بينها طبعا لا بل في طليعتها المملكة العربية السعودية”.

لا مجال للتوفيق

بين مسار الإنقاذ العربي

وبين معسكر الممانعة

هذه المعادلة لا تستقيم إذا استمرّ الالتحاق بمعسكر الممانعة، فلا مجال للتوفيق بينهما لأنّهما على طرفي نقيض، بل على طرفي صدام، ولا يمكنك أن تجلس في كرسيّ الممانعة وتطلق خطاب العروبة والطائف.. المسألة لم تعد تحتمل أيّاً من هذه المقاربات الملتبسة الضائعة، فإمّا أن تكون عربياً في قلب معسكر السيادة والاستقلال والدستور والطائف، وأنت مرحّبٌ بك فيه، وإمّا أن تبقى في معسكر الممانعة

لا يمكن التوفيق بين تأييد حزبٍ ينقلب على الدستور ويقلب نتائج الانتخابات ويفرض التغيير بالسلاح ويتحالف مع الانقلابيين عليه وعلى اتفاق الطائف، وبين المواقف الإيجابية التي أطلقها الوزير كرامي لدى استقباله السفير البخاري.

إنّ الدور السعودي الذي ينتظره الوزير كرامي “لاستعادة استقراره الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والدستوري”، وهو “محوريّ وأساسيّ حتى في التوازنات اللبنانية الداخلية” لا يتلاقى مع أي انتماء معاكس لغايات ومقاصد السياسة السعودية، التي تريد للبنان الاستقرار واستعادة العافية والازدهار.

علاقة طيبة وتحوّلٌ مطلوب

إنّ العلاقة التراكمية الطيبة بين السفير البخاري وبين الوزير كرامي هي نتاج العوامل الإيجابية التي يحملها كلاهما، وهو أمرٌ طيب ومرحَّبٌ به، لكنّ أهل طرابلس الذين عبّروا عن توجههم السياسي والوطني في الانتخابات، واعترضوا على توجهات كرامي وتحالفه مع معسكر الممانعة، وأعطوا النائب أشرف ريفي النسبة الأعلى من أصواتهم لأنّه كان الصوت الأعلى في مواجهة هذا المعسكر، رغم وطأة الانهيار وتأثيره على معيشة الناس وأوضاعهم.

يمكن اختصار الموقف بما قاله السفير البخاري بأنّ:”هناك علاقات عميقة تربطنا وليس فقط بين لبنان والسعودية كدولتين، بل بين الشعبين اللبناني والسعودي من حيث القرابة والنسب والمصاهرة. هذا ليس وليدة اللحظة بل سنوات من العلاقات الاخوية”.

هذا المسار التاريخي لا يستقيم إلاّ من خلال تلاقي السياسة مع الاقتصاد والتنمية والاجتماع، وقد آن الأوان للوزير فيصل كرامي أن يحسم أمره ويدع ما بين يديه من باطل مقاومة مزعوم، ليكون فعلاً وقولاً في قلب معسكر البناء والسيادة والعروبة النظيفة من لوثات التشويه ولتحقيق الشراكة الوطنية بأرقى تجلّياتها.

بعد زيارة السفير البخاري للوزير كرامي، وهي ليست الأولى طبعاً، وتأكيد الانفتاح عليه والتعاون معه، لم يعد هناك مبرِّر لتموضعه في معسكر “حزب الله”، ليس لأنّ السعودية تمارس سياسة الإكراه، بل لأنّ الوفاء لمحبتها لطرابلس وللعلاقة التاريخية مع آل كرامي، ولأنّ المنطق والعقل والدين والوازع الوطني والعروبي، يدفع نحو الانتقال إلى واحة الاستقرار والمناعة والدفاع عن الدستور والسلم الأهلي، وهذا هو الموقع الطبيعي لجميع المخلصين والشرفاء في لبنان، أمّا البقاء في برزخ المراوحة والالتباس، فهو تموضعٌ مضطرِب يسيء إلى صاحبه، ويُبقي الانقسام في المدينة، وهو أمر يريد أهلها تجاوزه والبناء على الوحدة والتضامن والتكافل.

شاركها.