شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

يدّعي “ح ز ب ال له” بأنّه لولا سلاحه لما تحقّق الترسيم، وخلفية هذا الادعاء طبعًا مردّها إلى خشيته من مزيد من إضعاف حجة احتفاظه بسلاحه غير الشرعي، ولكن طالما أنّ لسلاحه هذا المفعول تماشيًا مع إدعاءاته التضليلية، فلماذا لم يستخدمه لإخراج إسرائيل من مزارع شبعا؟ وإذا كان قادرًا ولم يفعل بسبب إصراره على اشتباك يبرِّر سلاحه ففعلته ترتِّب عليه جرم الخيانة الوطنية، فضلاً عن أنّ بإمكانه مثلا تحرير شبعا والاحتفاظ بسلاحه من خلال الادعاء أن هذا السلاح يردع أي عدوان إسرائيلي على لبنان، وإلى آخر معزوفة النشاز التي ملّ منها الشعب اللبناني…

وفي مطلق الأحوال فإن تسريع خطوات الترسيم، بعد أكثر من عقد على إرسال الحكومة اللبنانية خريطة إلى الأمم المتحدة تعتمد الخط 23، وأكثر من عشر سنوات على الاتفاق الإطار الذي وضعه الرئيس نبيه بري، مردّها إلى ثلاثة عوامل أساسية:

  • العامل الأول، حاجة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى انتصار في الشرق الأوسط بعدما كان سلفه دونالد ترامب أعاد إحياء ملف السلام بين إسرائيل والدول العربية وحقّق أكثر من اختراق على هذا المستوى، الأمر الذي دفع بايدن إلى زيارة الرياض والتراجع عن سياسة العداء التي اعتمدها ضدّها في بداية عهده في إقرار بخطأ السياسة التي اتبعت، كما أنّه يريد الدخول إلى انتخاباته النصفية بإنجاز معيّن، فوجد في الترسيم الإنجاز الوحيد الممكن، وهذا ما يفسِّر الضغوط التي مارستها واشنطن على تل أبيب وتفرُّغ وسيطها أموس هوكشتاين لإنهاء هذا الملف.
  • العامل الثاني، حاجة أوروبا إلى الغاز على أثر دخول روسيا في حرب عسكرية ضدّ أوكرانيا وحرب باردة ضدّ القارة العجوز حتّم البحث عن مصادر بديلة تسدّ الثغرة الروسية، وبالتالي أصبح الغاز الإسرائلي حاجة أوروبية ماسة وضرورية.
  • العامل الثالث، حاجة إسرائيل إلى تسريع خطوات استخراج الغاز مستفيدة من النزاع الروسي-الأوروبي بما يعزِّز وضعها الاقتصادي.

وبعد أن كانت قطعت المفاوضات برعاية واشنطن شوطًا كبيرًا وأُعلن دخولها في الفصل الأخير، دخل “ح ز ب ال له” على الخط مهدّدًا بالحرب في حال لم يحصل الترسيم واستخراج الغاز قبل نهاية أيلول، وخلافًا لما كان أعلنه مرارًا بأنّه يقف خلف الدولة، تقدّم عليها من أجل الإيحاء بأنّ سلاحه أتى بالترسيم، وأن هذا السلاح يشكل ضمانة لحماية الثروة النفطية.

وقد وجد “ح ز ب ال له” نفسه أمام خيارين: خيار رفض الترسيم مع إسرائيل، وهذا الخيار يضعه في مواجهة مع الولايات المتحدة وأوروبا والشعب اللبناني، خصوصًا أن لا حجة لرفض الترسيم، وبعد أن أدرك أنه لا يستطيع الوقوف في مواجهة رغبة دولية وشعبية بهذا الحجم بفعل الانهيار المالي الذي يتحمّل هو ومنظومته مسؤوليته، انتقل إلى الخيار الثاني الذي يتيح له باعتقاده توجيه ثلاث رسائل: رسالة إلى واشنطن بأنّه براغماتي ولا يعارض تلبية الرغبات الأميركية على طريقته؛ رسالة إلى تل أبيب بدعوتها إلى التمييز بين خطاب الضرورة بإزالتها من الوجود، وبين التزامه بقواعد الردع المتبادل؛ رسالة إلى اللبنانيين بأن بطولاته حقّقت الترسيم.

ويبقى أن الترسيم تحقّق بفعل الإصرار الأميركي والحاجة الأوروبية والمصلحة الإسرائيلية واللبنانية، ولا دور لـ”ح ز ب ال له” في هذا الملف لا من قريب ولا من بعيد، ولكنه استباقًا للنقاش عن جدوى استمرار سلاحه بعد الترسيم دخل مهرولا على هذا الخط موحيا ان سلاحه أتى بالترسيم وسلاحه ضمانة للثروة النفطية، فيما سلاحه يشكل الضرر الأكبر على لبنان: يمنع قيام الدولة، ويحول دون تطبيق الدستور، وينتهك السيادة، وينسف الميثاق الوطني، ويزعزع السلم الأهلي والاستقرار، ويتحمّل مسؤولية الانهيار والعزلة، واللائحة تطول…

شاركها.