ترى روسيا والصين ودول إقليمية أخرى أن الغرب يجب أن يعطي مساحة جيوسياسية أكبر لهم، وأنه حان الوقت للجلوس مرة أخرى على الطاولة والاتفاق على إعادة القسمة وترسيم الحدود، خاصة بعد أن شعرت تلك الدول بضعف الغرب وانقسامه، وعدم الحاجة لاستمرار احتكار الغرب قيادة النظام العالمي أو استغلال الموارد في العالم، أو لأن يكون الدولار هو العملة المسيطرة في العالم، أو أن تتمكن أمريكا متى شاءت من معاقبة أي دولة بالعقوبات الاقتصادية.
إنشغلت الإدارة الأمريكية وقتا طويلا في مكافحة الإرهاب، والذي فشل استراتيجيا، على الرغم من النجاحات التكتيكية، والآن تنتقل الى مرحلة المراقبة والتقييم وتخفيف حدة المواجهة للانتقال نحو منافسة القوى العظمى وكبح جماح الصين وروسيا والتنظيمات داخل أمريكا
الاستراتيجية مع الارهاب الخارجي ستكون قائمة على تمكين الحلفاء من التصدي للارهاب، وتقدم أمريكا الدعم الاستخباراتي واللوجستي، لكنها لن تأخذ زمام المبادرة.
أول ماقام به بايدن عند استلامه المنصب كان مراجعة جهود مكافحة الإرهاب داخل أمريكا وتحديدا من اليمينيين، والذي أصبح التهديد الإرهابي الأكثر إلحاحاً الذي يواجهه الليبراليون اليوم، وأصدرت المخابرات تقريرا حذر من المتطرفين المحليين الذين تحفزهم مجموعة من الأيديولوجيات اليمينية، تبع ذلك اصدار الحكومة “استراتيجية وطنية لمكافحة الإرهاب المحلي”، ويأتي هذا استكمالا لاستراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2018، بأن المنافسة الاستراتيجية بين الدول وليس الإرهاب، هي الشغل الشاغل حالياً للأمن القومي الأمريكي، فتم اتخاذ القرار بإعادة ضبط عمليات الانتشار الدولية لمكافحة الإرهاب التي تقوم بها أمريكا منذ عشرين عاماً
بالإضافة إلى ذلك تركز أمريكا اليوم على منع روسيا أو الصين من إيذاء النظام العالمي الذي تقوده أمريكا، على الرغم من أن هذا النظام أصبح مضعضعا وآيلا للسقوط، ومكروها بشكل متزايد بعد أزمة كورونا، والانتخابات الأمريكية والاختبارات الاخلاقية كتعامل الغرب مع الربيع العربي وملف خاشقجي، وإعادة تثبيت الديكتاتوريات، كحل لتصدعات النظام العالمي في منطقة الشرق الأوسط، وبعد تغول النيوليبرالية (التيارات اليسارية) وفقدان الصحافة حياديتها ومهنيتها وحتى جزء كبيرا من مصداقيتها أمام إعلام جديد حر وعشوائي وشعبوي على وسائل التواصل، ورغبتها بفرض وإلزام جميع الدول بمعتقداتها حول النسوية والشذوذ والإلحاد
شعرت روسيا أن الوقت قد حان لقلب الطاولة وفرض واقع جيوسياسي جديد فغزت أوكرانيا، وفي نفس الوقت نجحت أمريكا في تشكيل حلف مضعضع من الغرب لمنع روسيا من النجاح، حتى لا تتمدد روسيا أكثر، وحتى لا تتشجع دول أخرى كالصين في التجرؤ لإيذاء النظام العالمي الذي يقوده اليوم التيار النيوليبرالي
على مايبدو وصلنا لمرحلة “كسر العظم” أي أن أمريكا وأوروبا ستدافعان عن النظام العالمي حتى النهاية، وفي نفس الوقت ستسعى روسيا إلى تغيير معادلات النظام العالمي بالقوة، أي أننا نتجه لحرب أوسع ستؤذي روسيا لكنها في نفس الوقت ستكون نهشة وربما قاضية هذه المرة في جسد النظام العالمي كما نعرفه. في نفس الوقت تريد الصين ودول أخرى انتصار روسيا أو انتظار ماسيحدث ليقوموا بالمطالبة ولو بالقوة بإعادة تشكيل نظام جديد وإعادة رسم الحدود وإعادة تقاسم الموارد.
