شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

أعطت جامعة طرابلس نموذجاً عن المواجهة العلمية والحضارية الناجحة

أحمد الأيوبي

حقيقة الصراع: “من يخطط لشرق أوسط خال منا نحن المسلمين إنما يدلِّس على بقية الطوائف والمذاهب”

جاء احتفال جامعة طرابلس هذا العام بختام العام الجامعي الأربعين وتخريج دفعات من كليات الشريعة والدراسات الإسلامية وكلية إدارة الأعمال، وكلية الآداب والعلوم الإنسانية، وكلية التربية، حاملاً نكهة خاصة من عبق العلم وأصالة الهوية وتأمين البيئة الحاضنة للطلاب العلوم الشرعية والمدنية، وسط إعلان الفخر بهذه الهوية والتمسّك بالثوابت الإسلامية والوطنية، في مواجهة موجات الانحراف الجارفة التي شهدها لبنان والعالم، حتّى كاد كثير من الناس يسلّمون بانتصار هذه الدعوات الفاسدة.

النموذج الناجح

للمواجهة الحضارية

نظّمت إدارة جامعة طرابلس، وعلى رأسها الدكتور رأفت ميقاتي وإخوانه، احتفالها هذا العام ليظهر جنى الجهود الدعوية والتربوية والعلمية التي دأبت على تقديمها لطلاّبها، بأعدادهم وبنوعية ما تلقَّوه من علوم ومعارف شرعية ومدنية، فإذا بها واحةٌ آمنة وقلعة صامدة لم تؤثّر بها حملات التشويه والانحراف والتضليل، كما لم يغيّر كلّ هذا شيئاً من رصانة العمل ولا ثبات المبادئ، ولا مواجهة التحديات.

ونحن نواجه موجات الإلحاد ونشر الشذوذ والانحرافات، وشيوع آفات المخدِّرات، يوازيها استدراج الشباب نحو مزالق التطرّف تحت وطأة الانهيار والكوارث الاجتماعية التي يتخبّط فيها اللبنانيون.

أثبتت جامعة طرابلس أنّ المواجهة ممكنة وأنّ الانتصار فيها متاح إذا أحسن القائمون عليها إدارة الصراع الحضاريّ والعلمي وإذا تمكنّا من ترسيخ الهوية والانتماء لدى الأجيال مع تسليحها بالعلم وأدوات المعرفة والمرونة وساعدناها على تمكين وإطلاق قدراتها لتأخذ مواقعها في تحصين الذات والمجتمع.

في احتفال التخرّج كانت طرابلس ملتفّة حول جامعتها، وكان حضور العلماء والقيادات من كلّ لبنان، جاؤوا ليشاركوا في عرسٍ أكاديمي متكامل، وليؤكِّدوا التعاون والتكامل بين المؤسسات الإسلامية العاملة في المجال التربوي والأكاديمي بشكلٍ خاص.

حضور الشيخ المؤسِّس

كان حضور الراحل الكبير سماحة الشيخ محمد رشيد ميقاتي طاغياً رغم غيابه، وكان احتفال التخريج محطة لاستعادة محطات من جهوده التربوية الرائدة في طرابلس والشمال وعلى مستوى الوطن امتداداً إلى مراكز الإشعاع والتعاون في العالم العربي والإسلامي.

بهذه الجهود امتازت جامعة طرابلس بأنّها شكّلت نقطة التقاء العالم العربي والإسلامي، فلا تجد بلداً إلاّ ولها فيه غراس أصيلة ممهورة بالاعتدال والتفاعل الإيجابي مع المجتمعات والأثر الطيب في بناء الأجيال المؤمنة القادرة على تحقيق الإنجازات.

حقيقة الصراع حاضرة

لم تغب حقيقة الصراع عن خطاب الدكتور ميقاتي فقدّم معادلة واضحة:”لا وجود لمشرق عربي دون حَمَلة مشعل الحضارة الإسلامية الحقيقية لا المزيفة ، تلك الحضارة الغنية بكنوزها الإيمانية الثقافية وجواهرها المعرفية العلمية وآفاقها الإنسانية العالمية ، ولا بد للمشاعل من حملة ، وهؤلاء يصنعون صناعة ربانية في ساحات التربية وميادين الجامعات ذات الرؤية الحضارية الاسلامية الرشيدة وفي طليعتها جامعة طرابلس”.

وأضاف: أنّ من يخطط لشرق أوسط خال منا نحن المسلمين من أحفاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن والحسين رضي الله عنهم وأرضاهم إنما يدلِّس على بقية الطوائف والمذاهب بغية تدمير الجميع والاستيلاء على مواردنا الطبيعية بعد التفريغ البشري والتفريق الحزبي والتفريخ التشويهي كما حدث ويحدث في العراق وسوريا واليمن.

وأكّد قوله: نقول بالفم الملآن ومعنا العقلاء والحكماء من كل العائلات الروحية:”لا للاضطهاد الديني والمذهبي بصورة عامة، ولا لإقصاء أي مكون عن الحكم والادارة والتنمية، ولا نقبل أن يستضعفنا أحد أو يقصينا أحد أو يهمشنا أحد، أو يجردنا أحد من حقوقنا الدستورية ، فنحن أقوياء بقوة الحق وأعزة بعزة دين الله الحنيف، وأغنياء بإيماننا وحضارتنا وعلمنا، وإن استند البعض في لحظة تاريخية معاصرة إلى حق القوة فأعماه وأغواه، فإن دولة الباطل ساعة ودولة الحق الى قيام الساعة لا وجود لبلد دون شعب ولا قوام لشعب دون مؤسسات ولا مؤسسات دون مدارس وجامعات تعد إنسانا مصلحا لا مواطنا صالحا فحسب، إنسانا يؤمن بالانفتاح وحب الخير لبلده وشعبه وأمته والشراكة العادلة المتوازنة، لا إنسانا إلغائيا إقصائيا ولا تيارا أنانيا عنصريا”.

عبورٌ مؤسساتيّ آمن

ليس هناك شكّ بأنّ محاضن التربية والدعوة قد تعرّصت على مدى العقود الماضية لضربات قاسية، أخرجت بعضها من الخدمة، وأعاقت بعضها الآخر، ونجت مؤسسات تمكّنت من العبور الآمن. لكن كان لافتاً أن تجتاز جامعة طرابلس المرحلة الانتقالية بعد غياب مؤسسها الشيخ محمد رشيد الميقاتي رحمه الله وأحسن إليه، وأن تكمل مسيرتها بهذا الزخم والثبات والتطوير، فإنّه بالفعل إنجازٌ لا يمكن إلاّ الثناء عليه، والدعاء لهذه المؤسّسة بالازدهار والتقدّم وأن تبقى لأجيالنا واحة أمان في صحراء العواصف والتحديات الجارفة.

شاركها.