يُقال في العامية “الحقيقة بتجرح”، ومن الواضح أن الحقيقة التي سلّط رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع الضوء عليها في خطابه في مناسبة شهداء المقاومة اللبنانية فعلت فعلها لدى السيد “ح س ن نصر ال له” الذي ردّ على معادلة “لبناننا ولبنانكم” من خلال تبنيها هي نفسها بالعودة إلى الحرب، مستعيدًا صورة تشكّل إدانة له ولفريقه السياسي، وقد جاءته الردود من كل حدب وصوب.
وتذكيرًا بأنّ الحرب اللبنانية انتهت منذ أكثر من 32 عامًا، ومَن يعود إلى نبش فصول الماضي والحرب بعد كلّ هذه المدّة لكونه يخجل من الحاضر الذي وصلت إليه البلاد بسبب سياساته وتحالفاته وأولوياته لسلاح غير شرعي ودور إقليمي هدفه نشر أيديولوجيا تتناقض مع فلسفة الكيان اللبناني.
ولن ننجر إلى سجالات حول الحرب الأهلية الهدف منها التعمية على الواقع الكارثي الذي انزلق إليه لبنان، والحرب طويت، بالنسبة إلينا، بكل فصولها المجيدة والمأساوية، والحروب تعريفًا تجسِّد معنى البشاعة بكل أبعادها حيث يرتفع منسوب الغريزة على منسوب العقل، والقوة والقدرة البشرية هي في تجنُّب الحروب لا الانزلاق إليها، وتجنبها يكون من خلال الإصرار على منطق الدولة لا الدويلة، والسلاح الشرعي لا السلاح غير الشرعي، والاستقرار الثابت والفعلي لا الاستقرار المؤقت والشكلي، وتبدية أولوية الإنسان في العيش الكريم وليس في العيش الذليل.
واتفاق الطائف تعريفًا هو التسوية التي أنهت الحرب اللبنانية، ومن انقلب على هذا الاتفاق برفض تسليم سلاحه بذريعة مقاومة وبقاء جيش الاحتلال السوري في لبنان هو الذي أبقى فصول الحرب مفتوحة، لأن فريق الممانعة بكل فصائله لا يريد إنهاء الحرب في لبنان من أجل أن يبقى ساحة عنف وقتال ونفوذ لهذا المحور من جهة، ولكون فريق الممانعة يتنفّس من الحروب، وقيام دولة فعلية في لبنان يقطع عنه الأوكسيجين.
وكان يُفترض بعد التسوية السياسية التي أنهت الحرب في مؤتمر الطائف أن يُصار إلى ترجمتها على الأرض من خلال ندوات ومحاضرات تقارب فصول الحرب من زاوية كيفية تجنبها في المستقبل، ولكن محور الممانعة نقل لبنان من الحرب الساخنة إلى الحرب الباردة والتي يعيد تسخينها متى وجد ضرورة لإفهام مَن لم يفهم أن لبنان سيبقى ساحة عنف وقتل وحرب.
وليس من مصلحة “حز ب ال له” ولا غيره فتح صفحات الحرب مع فريق كان في موقع الدفاع عن النفس وعن معنى لبنان ودوره، كما أنّ مَن “بيته من قزاز لا يرشق الناس بالحجارة”، وهو يظنّ أن باستطاعته الهروب من مسؤوليته جراء النكبة التي حلّت بلبنان بسبب سياساته وتحالفاته بالعودة إلى ماض بعيد يقتطعه زورًا واستنسابيًّا لتحميل مسؤوليات في غير محلها ظنًّا منه أن بإمكانه الهروب من محكمة الحاضر والناس.
فالرأي العام اللبناني طوى صفحات الحرب اللبنانية في اتفاق الطائف، وعاد أكّد على إقفالها في انتفاضة الاستقلال التي وحدّت اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، حول ثوابت وطنية واحدة، وعاد وأكد أيضًا وأيضًا على طيِّها في انتفاضة تشرين التي وحدّت بدورها كل الساحات في لبنان، بينما ما زال محور الممانعة يعيش في الحرب لأن ثقافته ثقافة عنف وقتل وحرب.
ولن يتمكّن “ح ز ب ال له” ولا غيره من إعادة عقارب الساعة إلى زمن الحرب، ويُخطئ إذا اعتقد أنّ بإمكانه حرف أنظار اللبنانيين عن الجريمة التي ارتكبها ويرتكبها هو وحلفائه بحقِّهم في الحاضر، إذ لم يسبق للمواطن اللبناني إن عرف طعم الذلّ الذي يعيشه في كل تفاصيل حياته ويومياته كما يعيشه اليوم بفعل سياسات حروب وفساد وتغييب للدولة والدستور والقانون والعدالة.
وقد اختصر الدكتور جعجع الصراع بكلمتين “لبناننا ولبنانكم”، لبناننا الذي عُرف بسويسرا الشرق، ولبنانكم الذي يُعرف بمزبلة الشرق، وهذه حقيقة لا تحتمل التأويل وليست بحاجة إلى إثبات، ولن نكُلّ ولن نمُلّ قبل إعادة لبنان إلى مجده وصورته البهية الحقيقية: لبنانكم إلى زوال، ولبناننا هو لبنان المستقبل.
