مواقف الشيخ طقوش مبشرة والحملات المبكّرة عليه ساقطة سلفاً
تحديات الانفتاح سنياً ووطنياً والتعاون مع الهيئات الاقتصادية والاجتماعية أولوية
الشراكة الإسلامية المسيحية قاعدة ارتكاز الدولة وسبيل التصدي للانهيار
كلّ انفتاح من قيادة الجماعة سيقابله تعاون إسلامي ووطني

أحمد الأيوبي
بانتخاب سماحة الشيخ محمد طقوش أميناً عاماً للجماعة الإسلامية، انطوت صفحة من الالتباسات المتداخلة والتعثّر والفشل في التوجهات السياسية، مع غياب الرؤية والفاعلة في الساحة الإسلامية والوطنية، وبعد أن تعرّضت الجماعة لنكسات لا يمكن تجاهل تداعياتها الداخلية والخارجية على الجسم التنظيمي والمكانة السياسية لأعرق الحركات الإسلامية في لبنان.
مرحلة قاحلة ولّت

سادت مرحلة الأمين العام السابق عزام الأيوبي محاولات الهيمنة وفرض الاتجاه الآحادي ونتج عن ذلك صدامات أخرجت كفاءات كثيرة من صفوف الجماعة، حتى باتت صفوفها شبه خالية من أهل الاختصاص ومن عنصر الشباب في كثير من المناطق، وخاصة في طرابلس، حيث اندلعت حرب السيطرة على المؤسّسات التربوية والصحية والاجتماعية، وتشكّلت مع الوقت مراكز قوى متنازعة ساهمت إلى حدٍّ كبير في تراجع حضور الجماعة السياسي والاجتماعي.
ظهرت أيضاً لدى البعض شطحات تقليد “حزب الله” في بعض مساراته، وبلغ الانسلاخ عن البيئة السنية حدود مشاركة الأمين العام للجماعة في إفطارٍ للحرس الثوري الإيراني، المسؤول عن ذبح أهل السنة في المنطقة، مع تقديم تبريرات لا تساوي الحبر الذي كُتبت به، ثمّ طُرحت مسألة التحالف مع الحزب كخيار للتسريع في استعادة التوازن المفقود ولملء الفراغ بعد خروج الرئيس سعد الحريري من الساحة السياسية.
“سماسرة” الاعمال الخيرية
إستخدم بعض قيادات الجماعة غطاءها في الخليج للاستئثار بعمل بعض الجمعيات الخليجية في لبنان، فتحوّل عملهم إلى سمسرات غير عادلة ومارسوا الإضرار بالآخرين وعملوا على الاستفراد بمصادر التمويل وخنق كلّ من يحاول التطوير وتوسيع مشاريع التنمية في طرابلس والشمال، حتى تحوّل هؤلاء إلى أخطبوط متوحّش لا همّ له سوى تحصيل المكاسب الشخصية، باسم الجماعة. وهؤلاء يبنغي كف أياديهم عن العبث بمقدرات الخير العام.

إنغلاق مقلق
ذهب آخرون في الجماعة إلى حدود الانغلاق والارتكاس إلى ما قبل المشاركة في الحياة السياسية والدعوة إلى التقوقع والابتعاد عن الانتخابات والانخراط في الشأن العام. تولّى بعض هؤلاء مسؤوليات قطاعات شبابية حسّاسة وأثّروا على توجهات الشباب حتى بتنا نخشى من نتائج غير حميدة بسبب هذا السلوك المغطى من القيادة السابقة.
انعزال عن أهل
الكفاءة والخبرة
إبتعدت الجماعة في المرحلة المنصرمة كثيراً عن عمقها الإسلامي واستغنت عن التواصل مع أهل الرأي والخبرة والتأثير وعزلت نفسها عن عموم الشرائح الاجتماعية والشعبية، وهذا أدّى إلى تقلّص تأثيرها بشكل واضح، ولم يسمح بتطوير أدائها في الشأن العام.
وهنا يقف الشيخ طقوش أمام تحدّي استعادة الثقة مع الشارع السني عموماً، ومن الأهمية بمكان الانفتاح على الهيئات والجمعيات والتيارات القائمة، ذات الطابع التعاوني، وكذلك مع الهيئات الاقتصادية وغرف التجارة والصناعة والزراعة والبلديات وروابط المختارين وغيرهم..
الإرث الثقيل
حمل الشيخ محمد طقوش إرثاً ثقيلاً، عبّرت عنه نتائج الانتخابات التي رفضت أيّ حضور للأمين العام السابق وفريقه التنظيمي الذي ترك تخريباً غير مسبوق في واقع الجماعة المؤسساتي والتنظيمي وفي علاقاتها الإسلامية والوطنية.
تحدي الثبات في وجه دعاة التحالف مع الممانعة

يواجه الأمين العام الجديد تحدّي التماسك والثبات في وجه ضغوط الداعين إلى الانخراط في المنظومة الإيرانية، داخل الجماعة وخارجها، والذين يستندون إلى التحرض على العرب واستحضار عناصر الخلاف الذي تشكّل إيران أهمّ أسبابه بشكل مباشر، أو بالفتن المتناسلة من غزوها لعالمنا العربي.
إدراك حقيقة الصراع..
وليس الفتنة
يدرك أهل بيروت قبل غيرهم حقيقة ما يمثّله التهديد الإيراني الذي يجسّده “حزب الله” في لبنان، خاصة يلمسون وطأة هذا الطغيان منذ انقلاب 7 ايار 2008 حتى اليوم.
لا ندعو هنا إلى فتنة مذهبية ولا حرب فئوية ولا مواجهة فيها خراب البلد، بل المطلوب ثباتٌ سياسي ووطني على مبادئ وثوابت أهل السنة والجماعة وما اتفق عليه المسلمون في لبنان حول النظام السياسي والحريات والشراكة الإسلامية المسيحية وإقامة الدولة العادلة القادرة على فرض القانون، وفق دستور اتفاق الطائف.
معادلة الشراكة
الإسلامية المسيحية
لا يمكن لأهل السنة أن يقوَوا في المعادلة بدون الشراكة مع شركائهم المسيحيين. وهذه الشراكة ينبغي أن لا تكون سطحية، بل يجب أن تشمل عمق التعاون والتكامل الوجودي، بين أهل السنة والموارنة بشكل خاص، وهما أساس قيام لبنان وقيامته، منذ التأسيس وعلى مدى الدهر.
لهذا فإنّ مسألة الشراكة الإسلامية المسيحية ينبغي أن تحظى بالاهتمام، من منطلقات أبعد من السياسة الآنية والآهداف القصيرة، بل المطلوب البحث مع الأطراف المسيحية المؤمنة بالتحالف مع أهل السنة على العناوين الكبرى الآتية:
ــ الحفاظ على التوازن الوطني بناءاً على الدستور.
ــ التكاتف للحفاظ على هيكل الدولة وجيشها ومؤسساتها في وجه إرادة التدمير المتعمّد.
ــ التعاون في مواجهة الانهيار وكوارثه المعيشية، كما تعاون اللبنانيون في أزمنة المجاعات والحروب.
من المبشِّرات أن يبدأ سماحة الأمين العام ولايته بالتأكيد على موقع رئاسة الوزراء وضرورة الدفاع عنها وعدم السماح بانتهاك مقامها، وهذا موقف متقدِّم وبوصلة يمكن الاستهداء بها لمراكمة المواقف الهامة الجامعة في المرحلة المقبلة.
أخيراً،
فإنّ الحملات الإعلامية التي يطلقها بعض النافذين في فريق الأمين العام المنصرف، لن تغيّر حقيقة الخسارة التي مني بها هؤلاء، ولن تغيِّر حقيقة الفرص التي يتمتع بها سماحة الشيخ محمد طقوش للنجاح في قيادة الجماعة نحو الأفضل، وفي معالجة تداعيات سياساتهم السابقة، والواضح أنّه يعمل على أساس أنّ كلّ هذا أصبح من الماضي وأنّ الأولوية الآن للانخراط في معركة الواجب للحفاظ على وجود أهل السنة وعلى الشراكة الوطنية حفاظاً على لبنان، بعيداً عن الشعارات الرنّانة من كل الاتجاهات.
يواجه الشيخ طقوش تحديات كبرى وشديدة التعقيد، في ظروف الانهيار وخطر الاضمحلال لأهل السنة وللبلد بأسره، وهذا يضع عليه أعباءاً كبرى، نعتقد أنّه أهلٌ لمواجهتها، انطلاقاً من سيرته النظيفة ومن عزيمته المعروفة ومن توجهاته الشبابية التوّاقة للتطوير والتقدّم، بعد عقود من الركود والعجز والتراجع.
مسيرةً مباركة نرجوها للأمين العام الجديد، وعندما يبدأ رحلة الانفتاح والتعاون سيكون كلّ الشرفاء إلى جانبه في سبيل تحقيق المصلحة والخير العام لأهل السنة خصوصاً وللبنانيين جميعاً.
