شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

ميزة العمل الخيري أنّه متكامل ويسهم في تطوير حياة الإنسان

التعاون في مجال التنمية نموذج للتلاقي الإنساني بين أهل الأديان

تاريخ طويل يجمع اللبنانيين على التعاون للخير العام في المحن والمجاعات

أحمد الأيوبي

تقوم جهات خيرية عربية وإسلامية بتقديم أنواعٍ شتّى من المساعدات الإغاثية والاجتماعية والتربوية والإنسانية والثقافية، وتأخذ الجمعيات في دول الخليج العربي مكانة رائدة ومتقدِّمة على غيرها من المنظمات العاملة في هذا المجال، ويتميّز عطاؤها بالسخاء والعطاء وتكريم المشمولين بمشاريعها من عاملين ومستهدَفين، سواء كانوا فقراء يحتاجون مساعدة إغاثية أو أو موظفين في مشاريع التربية والتعليم، وهذا من موجبات شكرها وتأكيد أهمية نشاطها في لبنان.

من مميزات النشاط الخيري أنّه يأتي شاملاً ومستوفياً متطلبات الشرائح التي تحتاج المساعدة، لذلك، فإنّه في أغلب الأحيان يحقّق غاياته المنشودة ويصل إلى المستحقين، كما يترك آثارها التغييرية والتطويرية في حياة الفئات المستهدفة، وخاصة في مجال التربية والتعليم، وتفسح في المجال لشقّ طريق المستقبل أمام أطفال وفتيان وفتيات، تعرّضوا للتهجير والتدمير النفسي والاجتماعي.

نماذج أخرى كثيرة ساهمت في أعمال الدعوة والإغاثة والتربية والصحة لا يتسع المجال لحصرها، فجزى الله القائمين عليها كل الخير ولهم من أهل لبنان جزيل الشكر.

لكنّنا نودّ أن نلفت انتباه أهل الخير إلى مسألة هامة كانت مثار نقاش وجدل في الآونة الأخيرة، وهي ذهاب بعض اللبنانيين إلى تحريض أهل الخير ضدّ فكرة ونماذج التعاون الإسلامي المسيحي في مجال الإغاثة والتنمية، وهذا تصرّف يسعى إلى ضرب الكثير من مقوِّمات الصمود الاجتماعي في لبنان، وإلى التفريق على أساس طائفي بين الناس، وهذا يتنافى مع رسالة الخير العام الذي يحمله أهل الخير في كلّ مكان.

اللبنانيون شركاء في الوطن

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ واقع لبنان مختلف عن سواه من الأوطان، لأنّه مكوّن من هذا التنوّع الديني والثقافي والاجتماعي وقد تشارك اللبنانيون مرارة الحروب والصراعات وتوصلوا إلى السلام بعد اتفاق الطائف، الذي يؤكّد على أهمية الشراكة الإسلامية المسيحية في بناء البلد، والذي تبنّاه عموم المسلمين بمرجعياتهم الدينية والسياسية والاجتماعية.

تاريخ من التعاون والتآخي

الإمام الأوزاعي

ترك لنا آباؤنا المؤسِّسون للكيان اللبناني تاريخاً ذاخراً بمحطات التعاون بين المسلمين والمسيحيين خلال مختلف الحقب التاريخية، وبرزت أسماء لامعة في هذا المجال نحفظ لها حقها في التكريم والذكرى، وأبرزها الإمام الحافظ إمام بيروت وسائر الشَّام والمغرب والأندلُس أبو عمرو عبدُ الرحمٰن بن عمرو بن يُحمد الأوزاعي، وهو الفقيه والمُحدّث وأحد تابعي التابعين وإمام أهل الشام في زمانه، والذي رفض حصار المسيحيين في جبل لبنان خلال العصر العباسي وأصدر الفتوى بتحريم ذلك الحصار حتى انتهى.

البطريرك عريضة

ويترك لنا التاريخ آثار البطريرك أنطون بطرس عريضة (1863 – 1955) وهو البطريرك الماروني الثالث والسبعون بدءًا من عام 1932 وحتى وفاته عام 1955. قال عنه البطريرك بشارة بطرس الراعي: البطريرك أنطون عريضة الذي رهن صليبه وخاتمه، عندما كان مطراناً لطرابلس عام 1916 وأطعم  بثمنه طرابلسيين من ملل مختلفة وقد أصاب مدينته الفيحاء جوع الحرب الأولى، وكان مناهضاً للانتداب الفرنسي حتى تحقيق الاستقلال.

ليس في لبنان عمليات تنصير

ما يجب أن يعلمه الإخوة العرب والمسلمون عموماً خصوصاً، أنّه ليس في لبنان عمليات تبشير أو تنصير، كما أسماها المحرِّضون، الذين يدعون الحرص على العيش المشترك مع المسيحيين، بل حتى الإرساليات التي جاءت إلى لبنان في أوائل القرن العشرين، بغاية التبشير، انتهت مدارس لا يشمل نشاطُها الديني التلامذة المسلمين المنتسبين إليها.

لا تعمل الجمعيات المسيحية على تنصير المسلمين في لبنان، ولا نذكر مسلماً تحوّل إلى المسيحية، بل شاهدنا عكس ذلك، مسيحيين كثراً اعتنقوا الإسلام، وبالتالي، فإنّ التنفير من التعاون الإسلامي المسيحي في خدمة وتنمية الإنسان، هو موقف ليس له تفسير، سوى الإبقاء على الانغلاق والتقوقع، أو الرغبة في الاستئثار بالتمويل للمشاريع التي يحرص أهل الخير على أن تكون في صالح المسلمين عندما يجري تنفيذها في مناطقهم، ونطمح أن تكون شاملة لجميع المناطق حتى يعمّ النفع وتتألّف القلوب.

نموذج من الخدمات التي تؤديها جمعية الشبان المسيحيين في لبنان

لا يمكن وصف عمل المؤسسات الخيرية المسيحية التي تعمل في إطار ما يصفه البطريرك بشارة الراعي “الخير العام” بأنّه عمل تبشيري، فما تقدّمه مؤسّسات مثل “كاريتاس” وجمعية الشبان المسيحيين، على سبيل المثال لا الحصر، يسهم في بلسمة الجراح ويستجيب لحاجات آلاف المواطنين اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، وبدون تمييز ديني أو مناطقي، بل ويشمل أيضاً اللاجئين بمختلف جنسياتهم وانتماءاتهم..

كاريتاس لبنان في خدمة ضحايا الكوارث والمحتاجين

إنّ هذا الواقع لا يجب أن يدفع البعض إلى استنكار هذه الخدمة الإنسانية، بل ينبغي أن ينخرط الجميع في التنافس من أجل الخير العام، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فهذا تنافس محمود، وإن كنّا نعتقد أنّ الأفضل هو التعاون والتكامل لتحقيق أوسع نطاقٍ ممكن من الخدمات للمحتاجين، وما أكثرهم في هذه المرحلة العصيبة، التي تمرّ بها الإنسانية عموماً، ولبنان بشكلٍ خاص.

مصارحة لأهل الفضل:

لنتعاون على تظهير رسالة الإسلام من خلال التنمية

هذه مصارحة أخوية إلى أهل الخير، ندعوكم فيها إلى تشجيع التعاون بين اللبنانيين وإلى التحاور مع شركائنا المسيحيين في الوطن، والتعرّف على تجاربهم في مجالات التنمية والأعمال الإنسانية، ولهم فيها ريادة وفضل، وندعوكم كذلك إلى تفعيل النظرة الإسلامية للتنمية، والتي تشمل مجالات واسعة، منها: البيئة والسلامة العامة والعناية بذوي الاحتياجات الخاصة ومكافحة الآفات الاجتماعية، وعلى رأسها آفة الإدمان على المخدِّرات، وغيرها من وجوه العمل التنموي، التي قدّم لنا الإسلام بشأنها رؤية متكاملة ورائدة، تصلح لتطوير الخطاب الديني في هذا الاتجاه، ولدعم خيارات التعاون فيها مع الجميع.

هكذا نعيش

البِرّ والإحسان في لبنان

في الختام، نشير إلى أنّ أهل الخير والفضل يعلمون بدون شكّ دعوة القرآن الكريم والرسول العظيم صلى الله عليه وسلم إلى البرّ والإقساط مع أهل الكتاب، ونحن مع المسيحيين في لبنان نتبادل البِرَّ والإحسان والأخوّة الإنسانية، ونتكافل في السراء والضراء، ونتعاون لحماية بلدنا من حملات الغزو والطغيان التي توحدنا ليبقى لبنان الشراكة الإسلامية المسيحية، والذي يحافظ فيه المسلمون على عقيدتهم ودينهم وهويتهم، ويعيش فيه المسيحيون حياتهم وثقافتهم، من دون أن يكون لذلك أدنى تأثير على الحريات العامة، التي تعتبر من أهمّ مقوِّمات لبنان.

في ختام هذا النداء المصارحة، ندعو إخواننا العرب إلى الإقبال على لبنان للمساهمة في الحفاظ على هويته العربية في وجه حملات التشويه ومحاولات تغيير الهوية من تحالف الأقليات المعروف بأنّه يبني سياساته على التفرقة الطائفية والعنصرية، وهذا ما لا يمكن أن يكون متلاقياً مع قيم الخير والعطاء والدين الحنيف.

شاركها.