شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

عدوان مجتبى على مقام مفتي الجمهورية يهدف إلى ضرب وحدة المسلمين وتحطيم المرجعية الدينية الجامعة

استهداف دار الفتوى بعد بكركي..

المعتدي واحد والمواجهة وطنية

لا قيمة لتوضيح السفير

بعد التأخير المقصود

أحمد الأيوبي

فتح السفير الإيراني الجديد مجتبى أماني لدى لبنان معاركه العقائدية بشكلٍ مبكِّر واتّسمت أولاها بالوضوح والوقاحة والخروج عن الأصول الدبلوماسية، عندما تعمّد الانتقاص من مقام مفتي الجمهورية اللبنانية ومحاولة تقزيمه إلى “فضيلة الشيخ مفتي أهل السنّة”، وفي هذا تجاهل واضح لواقعٍ دستوريّ وبروتوكولي لا يمكن لأحدٍ أن يصدِّق لأنّه يفوت السفير الإيراني بالتحديد، لأنّ “الدبلوماسيين” الإيرانيين لا يتحرّكون ولا ينطقون إلاّ وفق تصوّرٍ مسبق ودقيق لكلّ حرفٍ سيخرج من أيّ لقاء، وخاصة إذا كان بعد الاجتماع بسماحة مفتي الجمهورية.

سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ الدكتور عبد اللطيف دريان: مفتي الاعتدال والوحدة والعروبة

للعلم، فإنّ موقع مفتي الجمهورية اللبنانية هو موقع تاريخي لأهل السنة بدءاً من العهد العثماني، وبقي ثابتاً رغم كلّ محاولات الإلغاء في عهد الاحتلال الفرنسي، وترسّخ بعد الاستقلال بالمرسوم رقم 1 الصادر أيام الرئيس بشارة الخوري ليكون مفتي الجمهورية اللبنانية هو مفتي عموم المسلمين، وليكون في إطار دار الفتوى مؤسسات القضاء الديني من المذاهب الأخرى: الشيعة، الموحدون الدروز والعلويين.

عندما يدّعي المعتدي المظلومية

العجيب في تصريح السفير الإيراني أنّه قال:”اليوم كان لقاء مع فضيلة الشيخ مفتي أهل السنّة، وتكلّمنا عن أهمية موضوع الوحدة الإسلامية، والترتيبات للقاءات والمؤتمرات لذلك، وأهمية هذا التقريب لإبعادنا عن القتال والفرقة الفكرية الاجتماعية، وكنت أشاهد أن فضيلته مهتم جداً بالتقريب بين المذاهب الإسلامية في الساحة اللبنانية وفي كل الساحات في المنطقة لتجنيب المنطقة من الصراعات الموجودة، تكلمنا أيضاً بالنسبة لعلاقات إيران مع الدول الإسلامية على أسس الاحترام المتبادل، وإن شاء الله نكمل هذه اللقاءات لتكوين أرضية مناسبة للوصول إلى التوفيق في هذا المجال”.

من الذي يتحدّث عن القتال والفرقة من أهل السنة؟

هل سمع أحدٌ مسؤولاً من أهل السنة والجماعة يدعو إلى حرب مذهبية، حتى أشدّ معارضي “حزب الله”، يفصلون بين المواجهة السياسية وبين الانزلاق إلى الحرب المذهبية.

من يملك السلاح هو من يهدّد ويمارس السياسات المذهبية الفاقعة ويعلن أنّه بالنظر إلى قوّته يريد السيطرة على البلد.

أوقح ما في الخطاب الإيراني أنّه يمارس ادعاء المسكنة والمظلومية ويدعي الانفتاح، بينما هو يمارس الظلم والطغيان والعدوان على مخالفيه، بخلفيّة مذهبية لا حياء فيها.

خطأ مقصود له أبعاده

لا يمكن أخذ ما قاله السفير الإيراني الجديد ببراءة وبساطة، رغم التوضيح الهزيل الذي صدر عنه لأنّ لسانه قد سبقه، وكلمته أصبحت خارج فمه، وسقطت في ميدان التفاعل السياسي الحسّاس والدقيق.

المفتي الشهيد حسن خالد والراحل الكبير البطريرك نصرالله صفير شكلا نموذج التحالف الوطني الصلب لحماية لبنان

كيف يمكن قراءة هذا الموقف الإيراني الذي يأتي بعد أيام من إعلان أمين عام “حزب الله” حسن نصرالله أنّه يريد إجراء تعديلاتٍ دستورية في المرحلة المقبلة وفي العهد الجديد، ولم يعد خافياً على أحد أنّ هدف هذه التعديلات ضرب الحضور السني في الدولة وإيهام المسيحيين بأنّها تأتي لصالحهم حتى يسكتوا على استهداف أهل السنة، فيأكلون كما أُكل الثور الأبيض.

مخاطر عدوان السفير الإيراني على دار الفتوى

يحمل الموقف الإيراني من دار الفتوى مخاطر كبرى أهمها:

ــ أنّه يُقصَدُ منه إثارة الفتنة بين السنة والشيعة على خلفية الموقف من دار الفتوى، ليقع الاشتباك بين الفئتين على خلفية الموقف من دار الفتوى وتطوير النزاع إلى تقويض الهيكلية التي تقوم عليها دار الفتوى في رئاسة المحاكم الدينية والقضاء الشرعي عند الشيعة والموحدين الدروز والعلويين، وبهذا يتحقّق هدف السفير الإيراني بجعل مفتي الجمهورية مفتياً لأهل السنة وحدهم.

ــ البُعد الآخر لهذا الاشتباك، هو أنّ الإدارة الإيرانية تضع عينها على أوقاف أهل السنة وتريد الاستيلاء عليها بأشكال مختلفة، كما سبق أن حصل في جبل لبنان وجبيل والضاحية والبقاع، بذريعة أنّها أوقاف لسائر المسلمين وللشيعة “حق” فيها، وعند الانشقاق سيقع هذا النزاع الذي يجب الاستعداد له جيداً جداً.

بين الشيعة والحزب: الشيعة شركاء والحزب بلاء لبنان

لا مشكلة لنا مع الشيعة، فهم شركاؤنا الذين نريدهم بُناة الوطن، لكنّ المشكلة مع من يريد فرض الهوية الإيرانية ويسعى لنشر سوادها في سائر نواحي الحياة ويريد للجميع أن يتطبّعوا معه، لأنّه الأقوى في معادلة السلاح، ويريد فرض هويته على الجميع بالإكراه المباشر أو بالتسلّط على مؤسسات الدولة.

المشروع الإيراني

في لبنان لا يتوقف

يخطئ من يظنّ أنّ مشروع “حزب الله” الإيراني سيتوقف عند حدٍّ معين من سيطرته على الدولة.

أبداً. فهو سيواصل ابتلاعه للدولة وتدميره لقيم المخالفين له حتى يصبح لبنان ولاية إيرانية.

بين الفينة والأخرى، تكشف فلتات ألسنة البعض حقيقة الأهداف، فكم مرة قال مسؤول هنا أو بوق هناك بأنّ كسروان للشيعة، وأنّ الضنية لهم وكذلك طرابلس لأنّ بني عمّار حكموها بضع عشرات من السنين، في تقليد واضح لمنطق الصهاينة في احتلالهم لفلسطين.

وما صدر عن السفير الإيراني الجديد لم يكن زلة لسان ولا خطأ بروتوكولياً، ولا جهلاً بالأصول، بل هو مسمار جحا في قضية المؤسسات الدينية الإسلامية ومن له الحقّ فيها.

إذا كان مشروع “حزب الله” مشروعاً وطنياً مقاوماً، فلماذا يريد إحداث التعديلات الدستورية لصالح الشيعة في البلد؟

الحقيقة هو أنّه مشروع إيراني يستخدم مواليه من اللبنانيين ليجعل من لبنان جزءاً من الامبراطورية الفارسية، وكلّ من يتوهم غير ذلك يخدع نفسه قبل الآخرين.

لا يمكن التحالف

بين السلاح والإصلاح

لم يقنع التفسير الذي قدّمه السفير الإيرانيّ لعدوانه على دار الفتوى أحداً، بل جاء بعد تأخير مقصود، ليكون تصريحه قد أخذ موقعه في السياق السياسي والإعلامي، ولا يلغي ما يجب على أهل السنة أولاً أن يدركوه أنّ الدور الآتي سيكون على مرجعيتهم الدينية التي تحفظ ما تبقى لهم من اعتبار، وعلى مركزهم الأول في الدولة، وهو رئاسة الحكومة.

وهذا ما يجب على المسيحيين والدروز أن يدركوه، فتجربة الاستسلام الكامل لـ”حزب الله” حصلت، أقلّه منذ التسوية التي جاءت بميشال عون رئيساً للجمهورية، وتكرارها كما يريد النائب الأسبق وليد جنبلاط، على قاعدة فصل مسألة السلاح وترسيم الحدود عن الإصلاحات الضرورية للنهوض الاقتصادي، لن يفيد، لأنّ تحالف السلاح والفساد هو الثابت والراسخ، ولن تنجح محاولات إنشاء تحالف أو تفاهم السلاح والإصلاح، لأنّ السلاح قائم على الاقتصاد الموازي، ولن يسمح بنهوض الاقتصادي الوطني، كما لن يسمح بالنهوض الوطني العام.

لطالما شكلت دار الفتوى مظلة وحدة المسلمين

استهداف دار الفتوى بعد بكركي..

المعتدي واحد والمواجهة وطنية

لم تنتهِ بعد تداعيات استهداف “حزب الله” بأدواته المعروفة، البطريركية المارونية من خلال الاعتداء الذي وقع على المطران موسى الحاج، وما كشفه هذا الاستهداف من أبعاد تطال الدور الوطني الذي تقوم به بكركي على المستوى المحلي والعربي والدولي..

واليوم، يقوم الإيرانيّ نفسه، من خلال سفيره، باستهداف دار الفتوى من خلال هذا العدوان الموصوف على مقام مفتي الجمهورية، في انعكاس للسياسة الإيرانية التي تريد إلغاء المرجعيات الدينية ذات البعد والوزن الوطني والتاريخي، وهذا لا يمكن مواجهته بمحاولة التعايش مع الخطر من خلال التطبيع مع مصدره، لأنّ النهاية معروفة، أما التكاتف الوطني فهو المخرج الوحيد أمام اللبنانيين، بمن فيهم الشيعة، للنجاة من وقوع لبنان بالكامل في “النموذج الإيراني الأسود”.

شاركها.