
أحمد الأيوبي
كلّما تقدّمت وقائع الانهيار في لبنان، ازدادت التصدُّعات الفكرية والسياسية والاجتماعية بين المواطنين الذين يتوزّعون على الانتماءات الطائفية والمذهبية والثقافية والمناطقية المختلفة، وهؤلاء جميعاً باتت تسكنهم هواجس المصير ومخاوف المستقبل، مع تكريس انحلال الدولة، التي كان يفترض بها أن تحمي الضعفاء وتـُؤمِّن العدالة للجميع، بالتوازي مع طغيانٍ كاسح لسلاح “حزب الله” على الحياة العامة حيث سقطت أمامه كلّ المواقع وهيمن على الرئاسات والوزارات والإدارات العامة، وتمكّن من تعطيل القسم الحرِّ من القضاء وتسخير القسم المستسلم له ليكون سلاحاً فتاكاً ضدّ الخصوم.
ومع تكشير “حزب الله” عن أنيابه وانكشاف المزيد من مطامعه في إنهاء هوية لبنان الحضارية التي يختزلها بأنها “الكازينو” شاطباً قضية الحريات والتنوع الديني والفكري والثقافي، وانتهائه من إقامة مقومات دولته الخاصة: مالياً من خلال مصرف “القرض الحسن” وفي مجال الطاقة: السيطرة على المولِّدات في الضاحية وبقية مناطق النفوذ، وفي الاقتصاد: عبر التجارة الموازية بالتهريب، فضلاً عن نقل الثقافة الإيرانية بالكامل إلى الضاحية والجنوب والبقاع.

فرض الهوية العقائدية
السياسية على الجميع

لم يكتفِ الحزب بالهيمنة على المناطق ذات الأغلبية الشيعية، بل إنّه يريد فرض هويته على باقي اللبنانيين، ويريد وضع المقدسات الإيرانية كمقدسات إلزامية للشعب اللبناني، وهذا ما يزيد في حجم التوتر الداخلي ويبعث الأفكار والطروحات التي تقول بعدم إمكانية التعايش مع “حزب الله” وبأنّه بات من الضروري التفكير بوسائل الانفصال عنه لأنّه لا يقبل بالمساواة في المواطنة، ويريد إخضاع الآخرين لمنظومته العقائدية، معتبرين أنّ الحروب التي يخوضها الحزب ليست سوى انعكاس لاستعداده للانقضاض على خصومه، كما حصل في 7 أيار 2008 وكما حاول أن يفعل في غزوة الطيونة عين الرمانة..


إشكالية العيش معاً التي يفرضها “حزب الله” على اللبنانيين لا تنطلق من فراغ، حاصة أنّ الحزب أثبت فشله في إدارة البلد بعد أن سيطر على الحكم فيه، واستخدام جميع وسائل التمييز الطائفي والمذهبي، وأوصله في سرعة قياسية إلى درك الدول الفاشلة المتهالكة، بعد أن كان نموذجاً للنجاح في مجالات عدة، وعلى الأقل لم يصل إلى هذا المستوى الخطر من الانهيار.
ما يزيد الأمر سوءاً أنّ “حزب الله” يقف في مواجهة أيّ محاولة لتحرير المرافق الاقتصادية الهامة، وخاصة مطار القليعات الذي من شأنه عند تشغيله أن يوفر آلاف فرص العمل، ويحرّر اللبنانيين من الارتهان لسيطرة الحزب على مطار الشهيد رفيق الحريري الدولي، الواقع في دائرة النفوذ الأمني والإدارة للحزب، مما يهدّد بحصر جميع اللبنانيين في عنق الزجاجة، في حال قرّر الحزب إغلاق المطار.
لا شيء يمكن أن يوافق عليه “حزب الله” في استراتيجيات التنمية، فهو يستثمر في الإفقار والإذلال لشرائح واسعة من الشعب، من أجل استخراج الذين يمكن استدراجهم للتورط في التخريب أو الإرهاب بأسماء وعناوين مختلفة، لذلك، ممنوع تشغيل مصفاة طرابلس ولا معرضها ولا تطوير مرفئها على مستوى عالٍ، وهذا ينطبق على مجمل السياسات التنموية والاقتصادية.
لبنان ليس الكازينو
يحرص “حزب الله” ونوابه وآلته الإعلامية على تصوير أنّ “لبنان الماضي” هو لبنان الكازينو، متناسين أنّ هذه الجزئية ليست سوى جزء ضئيل من هوية لبنان التي احتوت ما هو أمّ بكثير، وهي الحريات والنظام الاقتصادي الحر، وأعتقد أنّ هاذين العمودين هما ركيزة خصومة الحزب مع النظام السياسي اللبناني ما قبل وبعد اتفاق ودستور الطائف.
إشكاليات العلاقة مع “حزب الله”
لدى “حزب الله” إشكالية ثلاثية الأضلاع مع نظامنا السياسي:
الإشكالية الأولى: هي التداول السلمي للسلطة
فرغم الثغرات القائمة في النظام السياسي منذ الاستقلال، غير أنّه لم يشهد هذا المستوى من التعطيل إلاّ عند استقواء “حزب الله” بسلاحه على الحياة السياسية واختراعه لهرطقاتٍ ما أنزل الله بها من سلطان، كانت أولى تجلياتها في اتفاق الدوحة الذي تلا انقلاب 7 أيار 2008، وبالخلاصة، فإنّ العملية الديمقراطية الحرة لا تتلاءم مع طبيعة الحكم الذي يريده الحزب للبنان، حيث يريد تحويل البلد إلى إيران مصغّرة في كل المجالات وعلى رأسها الشأن السياسي.
قبيل انتخابات عام 2009 رفع الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله شعار ليحكم الفائز وليعارض الخاسر، لكن مع انتهاء نتائج الفرز ألغى مفاعيل خطابه ليعود إلى لغة فرض “حكومة وحدة وطنية” ويعلم الجميع حصاد هذا النوع من الانتخابات.
استخدم الحزب سلاح “التوافق” للقضاء على العملية الديمقراطية، سواء في تشكيل الحكومات أو في آليات اتخاذ القرار، وهذا في جوهره ضرب لمجمل العملية الديمقراطية.

تخلّى الحزب عن طرح المؤتمر التأسيسي لأنّه عنوان يستدعي الدول والتوازنات، واختار قضم النظام وتغييره من الداخل، وهو ما عبّر عنه رئيس كتلة نواب الحزب محمد رعد عندما طالب في مقابلة تلفزيونية بـ”إعادة النظر بالنظام السياسي القائم”، وأشار الى أن “تجربتنا النيابيسة تؤكد أنّ هذا النظام يجب إعادة النظر فيه، وعلى الأقل إعادة نظر بروحية ما اتفق عليه في اتفاق الطائف، ونحن لا نريد أن نغير النظام كلياً“.
الإشكالية الثانية مع “حزب الله” هي قضية الحريات
فالحزب لا يتحمّل النّقد ولا وجود معارضة جدية في مواجهة سياساته، وما يحدث داخل البيئة الشيعية من قمع واضطهاد للإعلاميين والناشطين، ومن تصفيات تعجز الأجهزة الأمنية عن كتابة سطر في تحقيقاتها، نموذج مصغّر عن إدارة القمع، هذا فضلاً عن ما خلصت إليه المحكمة الدولية بتجريم قياديّ كبير في الحزب بجرمية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

هكذا بكلّ بساطة، نقل الحزب تطبيق فتوى الخميني بقتل سلمان رشدي لتصبح مسألة “واجب شرعي” في الساحة اللبنانية، وخرج مشايعون للحزب يهلِّلون لمحاولة القتل التي تعرّض لها رشدي في نيويورك، وكان أحد وجوه هذا الإسقاط توجيه رسالة واضحة للبنانيين بأنّكم جميعاً سلمان رشدي وباستطاعتنا تصفيتكم إذا ما قرّرتم معارضتنا.
هذا مع الإدانة التامة لما جاء في روايات رشدي الشيطانية، وملاحظة أنّ استهدافه جاء على الأرجح لأنّه هاجم “آيات الله” في إيران، وليس لأنّه أساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعض إساءات الوليّ الفقيه في سبّ زوجات النبي تسبق رشدي بأشواط.
الحريات التي تتناقص يوماً بعد آخر في ظل هيمنة “حزب الله” لا يمكن اعتبارها تفصيلاً في حياة اللبنانيين، لأنّها في الحقيقة روح هذا الوطن، وإذا خُنِقت، يزول.

الإشكالية الثالثة هي تدمير الحزب للمنظومة الاقتصادية والتربوية والاجتماعية التي تأسّس عليها لبنان، بذرائع مختلفة، وقد بلغ هذا الهجوم ذروته منذ فرض انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية. فمنذ تلك اللحظة، بدأ الانهيار الفعلي للبنان.
ما الذي يبقينا مع “حزب الله”؟

هذا السؤال أصبح طبيعياً بعد كلّ ما جرى ويجري، وليس طرحاً للتقسيم العشوائي، كما يرمي “حزب الله” خصومه عندما يتحدّثون عن عدم إمكانية التعايش مع ميليشيا مسلحة تحكم الدولة، بل هو بحث عن مصيرٍ آمن بعد أن أصبح لبنان على شفا الانضمام إلى عواصم الجحيم الإيرانية في المنطقة.
يريد الحزب تغيير النظام السياسي عبر قضمه وابتلاعه وخلق أعراف تتحوّل أمراً واقعاً، وهذا سينتهي بوقوع لبنان كلّه في قبضته من دون ضجيج ولا مقاومة.
ليس هناك ما يشجع على البقاء مع “حزب الله” الذي بات واضحاً أنّه ذاهب إلى استكمال ابتلاع ما تبقى من الدولة ومؤسساتها، لتتحول عندها إلى أسلحة مشهرة في وجه معارضي السياسات الإيرانية في لبنان، وهذا ما بات يدفع إلى التفكير جدياً في كيفية التخلّص من هذا الاحتلال المذهبي المتطرف والموصوم بالإرهاب في أكثر دول العالم.
هل يستطيع اللبنانيون التحرّر من احتلال “حزب الله” وسلاحه والنجاة بمناطقهم وحرياتهم ومعتقداتهم، مسلمين ومسيحيين، سنة وموارنة، ليبقى من لبنان هويته التي نعرفها، أم أنّ الأوان قد فات وسبق السيف العذل؟!
