شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

أحمد الأيوبي

عناوين المعارضة السياسية تتحول إلى اتهام بالعمالة للعدو الإسرائيل

إنفردت وسائل الإعلام التابعة لـ”حزب الله” بالكشف عن شبكة التجسّس الإسرائيلية في لبنان، في وقتٍ لا تزال الحقيقة القضائية متوارية وراء التسريبات التي لا تشبه أي ملف سابق يرتبط بالعمالة للعدوّ الإسرائيلي، حيث يركّز على النشاط الإعلامي واستهداف العناوين المتعلقة بمعارضة منظومة الممانعة، حيث يظهر أنّ الحزب يريد أن يجعل كلّ عناوين الاعتراض على سياساته وممارساته وكأنّها عناوين إسرائيلية، وبالتالي يريد أن يجعلها من المحرّمات والمحظورات على اللبنانيين.

تسريبات إعلام الممانعة

سرّبت قناة المنار من خلال مصادر لم تذكرها، معلومات زعمت أنّها صادرة عن جهات التحقيق، وتضمّنت الآتي:
ــ الصحافي المتهم بالتعامل مع العدو الصهيوني محمد شعيب من مواليد صيدا عام 1985 وأوقف أواخر الشهر الماضي.
ــ عمل في أكثر من وسيلة اعلامية وموقع الكتروني من بينها تلفزيون الجرس والموقع الاخباري Lebanon 24 وتلفزيون جارودي ميديا
ــ شاهد على صفحة الكترونية اعلانا عن وظيفة شاغرة لإحدى الشركات الأجنبية، تواصل معهم وعرضوا عليه العمل براتب شهري لقاء كتابة عدد من المقالات شهرياً.
ــ  لم تطل رحلة عمله هذه قبل أن يتواصل معه من رقم بريطاني شخص يدعى Tom وهو المشغّل الاسرائيلي .
ــ طلب منه Tom :
– إعداد تقارير عن قضايا سياسية هي محلّ خلاف وانقسام داخليين وأن يكتب هذه الموضوعات بما يصب في مصلحة دول الخليج وبلغة معادية لايران و”حزب الله” وحماس وبمصطلحات تشير الى أنّ لبنان محتل من قبل إيران، وطلب منه نشرها على مواقع Alkalima online و Lebanon 24 وموقع إذاعة “صوت كلّ لبنان- VDL NEWS”، وكان يتقاضى عن كل مقال بين 50 و75 $.
على سبيل المثال :
– أثناء تشكيل الحكومة ، طلب منه اثارة ملف الخلاف بين السعودية وايران وأن الاخيرة تستفيد من تأخير التشكيل تحقيقا لمكاسب لها في المفاوضات السعودية – الايرانية
– لاحقًا ، طلب منه اعداد تقرير يظهر ما أسماه تأثير مصالح ايران على لبنان واستخدام مقاطعة الثنائي الشيعي لجلسات الحكومة كورقة في المفاوضات الاميركية الايرانية وبذلك يتم اظهار الثنائي كأداة في يد ايران.
– تسليط الضوء على وزارة الصحة أثناء تولي حمد حسن لهذه الوزارة وإظهار مدى ارتباطها بحزب الله واستفادته من اللقاحات وتأمينها لبيئته ومناصريه
– الاضاءة على القرض الحسن والضرر الناجم عن تسريب أسماء الزبائن وامكانية معرفة أماكن تخزين الذهب
لم يحدد TOM لشعيب العناوين والموضوعات السياسية لمقالاته فحسب بل حدّد له أيضًا أسماء الشخصيات المناسبة لمقابلتها في كل مقال وهي شخصيات سياسية وصحافية تنتمي لما كان يسمى قوى الرابع عشر من آذار وجميعهم ذكرت أسماؤهم في محضر اعترافاته ، أمّا عناوين هذه المقالات :
– اتّهام حزب الله بانفجار مرفأ بيروت عبر التأكيد بأن ما انفجر هو مخزن سلاح تابع للحزب استهدف بصاروخ اسرائيلي
– اتهام حزب الله بمقتل لقمان سليم
– اتهام حزب الله بالتهريب الى سوريا عبر المعابر غير الشرعية
– التأثيرالسلبي للعقوبات الاميركية على حلفاء حزب الله
– اتهام حزب الله بتهريب الكبتاغون الى الخليج
– السلاح غير الشرعي خاصة في المخيمات الفلسطينية
– العلاقة السيئة بين سوريا وحماس
ومن اعداد شعيب للمقالات بنفسه الى المقالات الجاهزة حيث أرسل اليه Tom ٣ مقالات مكتوبة باللغة العربية باسم “ي. د.” حول اللاجئين السوريين والمخيمات الفلسطينية وحركة حماس وطلب اليه نشرها في موقعي VDL NEWS وLebanon 24 .
لاحقاً ، طلب منه انشاء صفحة “مشروع لبنان” على فايسبوك لنشر كل ما هو مؤيد للسعودية ودول الخليج ، وكان يتقاضى عن هذه الصفحة مقطوعة بقيمة 200 $ شهرياً.

هنا تنتهي التسريبات التي ساقها إعلام “حزب الله”.

تفنيد ادعاءات الحزب وإعلامه

تكمن خطورة ما يجري بأنّه يحوّل مادة الخلاف السياسي الأساس في لبنان، إلى مصدر للتخوين والاتهام بالعمالة، فقسم عظيم من اللبنانيين يرفض هيمنة الحزب وسطوة سلاحه على الدولة، والقسم الأكبر من هؤلاء يرى أنّ بلده معرّض لشكل من أشكال الاحتلال الإيراني، وشبهة تورط الحزب في جريمة تفجير المرفأ تقويها هذه الاستماتة في الحرب على القاضي طارق البيطار الذي لم يتهم أحداً من الحزب، بل وجّه التحقيق نحو وزراء وشخصيات أمنية تشغل مواقع رسمية في الدولة.

وجميع اللبنانيين يرون كيف أنّ مناطق سيطرة الحزب تشهد زراعة الأفيون وتقوم فيها مصانع المخدرات بأنواعها وأشكالها المختلفة من دون أن تتمكن الدولة من إتلاف المزروعات الممنوعة ويكافح الجيش اللبناني ويكابد لمصادرة مصنع من مصانع الحبوب المخدِّرة.. هذا بالإضافة إلى ما تعلنه الدول عن تورّط عناصر الحزب في شبكات الممنوعات الدولية.

وما ينطبق على مسألة تصنيع المخدِّرات، ينطبق على مسألة التهريب، فالحدود السائبة يسيطر عليها “حزب الله” والممرات الآمنة لا يمكن أن تبقى إلاّ تحت رعايته، ولهذا لا يحتاج الأمر إلى توجيه خارجي لصدور مثل هذه المواقف.

أمّا قضية اغتيال المعارض لقمان سليم، فإنّ جريمة قتله وقعت في نطاق هيمنة الحزب الأمنية المباشرة، وهو تلقى تهديدات متواصلة بالقتل في خميته في وسط بيروت وفي منزل العائلة بالضاحية.. وليس هناك مستفيد من اغتياله سوى حزب يثبت أنّه يرفض كلّ أشكال الاختلاف في الرأي.

وما يثير العجب، أنّ الحديث عن تأثير العقوبات الأميركية على حلفاء “حزب الله” يصبح مادة إدانة، أو الحديث عن علاقة سيئة بين حماس والحزب مصدر اشتباه، أو الكلام عن السلاح الفلسطيني في المخيمات وكأنّه جريمة تستدعي القصاص.

كلّ هذه العناوين هي عناوين الخلاف السياسي القائم بين “حزب الله” وخصومه، وتحويلها إلى مصدر اتهام هو تحوّل شديد الخطورة، لأنّه يمهّد لتخوين كل من تسوّل له نفسه الاعتراض على أي شكلٍ من أشكال سطوة الحزب على البلد.

هذا من دون أن ننسى أنّ إعلام “حزب الله” هو جزء أساس من الانقسام الحاصل في البلد، وهو يمارس التخوين ضدّ معارضيه، وغالباً يستند في الإعلام إلى مصادر مجهولة، أو إلى الإعلام الإسرائيلي، في إدانة خصومه، رغم أنّه في الوقت نفسه لا يتوانى عن الاستعانة بالإعلام المعادي لتأكيد قوته أو للإشادة مصداقية أمينه العام.

واللاّفت في هذا السياق، أنّ الصحافي زينب هو في الأساس إعلامي معارض للحزب، وبالتالي فإنّ هذا الاتهام يطال شخصاً يشكل إزعاجاً واضحاً له، واتهامه بالعمالة أسهل الطرق لإزاحته وأقلها كلفة.

وفي السياق نفسه، سيصبح العمل مع المؤسسات الأجنبية وحتى المؤسسات المدنية، التي تزعج الأمين العام للحزب كثيراً، وهو الذي يكثر الحديث عن تمويلها، ويتغاضى عن أنّ سلاحه وأمواله وطعامه من إيران، هذه المؤسسات ستكون موضع استهداف بموجب هذه المطالعة الخطرة للإعلام الممانع.

ثغرات في رواية الممانعة حول “شبكة العملاء”

تتقاطع المعلومات على أنّ من سرّب تفاصيل هذه “الشبكة” هو ضابط موالٍ للحزب، وبالتالي، فإنّ هذا النوع من التوجيه الأمني يطرح علامات استفهام حول أصل القضية برمّتها، وما هي الأهداف من ورائها.

هذا السؤال أكثر من شرعي في ظل التسريبات الانتقائية التي تخرج عن هذا الملف، وتصدر عن قناة المنار تارة وعن جريدة الأخبار تارة أخرى، وكأنّ المحررين في هاتين الوسيلتين يحضرون التحقيقات، وينشرون ما يريدون منها، وما يتلاءم بالتأكيد مع سياسات “حزب الله” ومتطلباته على أبواب الانتخابات النيابية.

وطالما هناك تسريبات خلافاً للقانون الذي يقضي بسريّة التحقيق، وخاصة في القضايا الحسّاسة والدقيقة، فليُكشف التحقيق بكامله، كما يدعو الأمين العام للحزب في ملف جريمة تفجير مرفأ بيروت، ولتنتهِ هذه التسريبات الاستنسابية التي هي أشبه بمحضر اتهام سياسي مسبق.

يتفرّع من هذا السؤال سؤال آخر: ما الذي يضمن شفافية التحقيقات، وما الذي يؤكّد أنّ “توم” الوارد اسمه كمشغّلٍ إسرائيلي هو شخص حقيقي، وأنّه إسرائيلي، وما الذي يضمن عدم تكرار الافتراء على الفنان زياد عيتاني الذي ارتكبته المقدم سوزان الحاج، والتي كوفئت بالترقية والتغطية بدل العقوبة والمحاسبة، في ظلّ الطغيان السياسي الحاصل على أعمال الأجهزة الأمنية والقضاء، وهو ما نراه يومياً في أكثر من ملف.

لبنان نحو التصحير الإعلامي والقمع الفكري والثقافي

المثير للعجب في هذه التوليفة التي يقدّمها إعلام الممانعة هي أنّها لا تتضمّن أيّ فعلٍ أمنيّ يهدّد الحزب أو يستهدف الأمن الوطني بالمعنى الأمني للكلمة، بل الحديث يجري عن المجال الإعلامي العام، وعن عناوين يتحدث بها رأي عام واسع من الشعب اللبناني، في تكرار لاستهداف الفنان زياد عيتاني وكندة الخطيب وقبلهما الشيخ حسن مشيمش، وكما شهدنا أمثلة أخرى في ملف “نيترات البقاع” الفاشل، وفي تداعيات أحداث الطيونة، ويبدو أنّ هناك كثيرين سيكونون على طريق الاستهداف في بلد يسقط بسرعة في قبضة الممانعة.

ينتقل لبنان بهذه الملاحقة من التعقب الأمني إلى التعقب الإعلامي والثقافي والفكري، وإلى إلغاء عناوين المعارضة الشرعية والطبيعية، في الطريق نحو تصحير الفضاء اللبناني وتحويله إلى ولاية إيرانية تغرق في الإفقار والقمع والإرهاب.

هذا التحوّل يستوجب على جميع من يحمل عنوان الاعتراض السياسي أن يضعوا الأولوية للتصدي لهذه الحملة التي تطالهم مباشرة أو مداورة، وتعتمد على استفراد فئة قبل الأخرى، فالتصويب اليوم على القوات اللبنانية، وغدا سيطال الكتائب والأحرار، والشخصيات السنية والشيعية والدرزية المعارضة، والمؤسسات والتجمعات المدنية، ولن ينجو منه أحد، وإذا لم يتكاتف الجميع لصدّ هذه الهجمة البربرية، سيسقط الجميع في بئرقمعٍ ليس له قعر!

شاركها.