شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

كيف السبيل إلى التوفيق بين القيم و”موجات التغيير” العاتية؟

الدكتورة سناء صيادي

دكتوراه في علم الاجتماع


يتعذر الكلام عن هذا البركان قبل منتصف القرن العشرين فقد كان المجتمع الطرابلسي حتى تلك المرحلة محافِظاً على تكريس السلطة الأبوية التي كانت تستند إلى الشرائع الأُسريّة “شبه المقدسة” والتي استمدّت هالتها من التكامل بين التقاليد والفكر الديني الإسلامي الداعمَين لها، مما وضع العائلة أمام تحديات مفصلية، أصبحت فيها سلطة الأبوين مهدَّدة بالتلاشي أمام العجز عن استيعاب المتغيّرات التي طرأت بشكلٍ متسارع على الحياة الاجتماعية والتربوية، من خلال موجة التغيير الآتية من الغرب.

الحياة الاجتماعية في طرابلس قبل منتصف القرن العشرين كانت في إطار المنظومة الأبوية

هذا الواقع المستجدّ وضع الأهل أمام خيارات صعبة، ذهب البعض منها نحو قمعِ المعارضة أو المناقشة ورفض مجرّد التفكير بما قد يمسّ بقدسية السلطة من أيٍّ من أطياف الأسرة، وخاصة الأولاد مهما بلغ سنهم، بينما بحث آخرون عن سبل التوفيق بين موجة التغيير والقيم السائدة، فهل يمكن إطفاء هذا البركان والوصول إلى معادلة تصنع الاستقرار لواقعنا وبيئتنا الاجتماعية والإنسانية؟
هذا ما سنسعى إلى تقديم مقاربة واقعية له في السطور التالية.

أصلُ القضية

مع بدايات التغيير، كانت القلّة من الشباب الذين غادروا آنذاك صوب المجتمعات الغربية للدراسة غالباً، يلبسون عباءة التقاليد في طائرة الإياب تجنباً للإنتقاد والجدل. و تغير المشهد بعد منتصف القرن العشرين وبدأت الحياة تدبّ تدريجياً في حمم البركان الخامدة بشرارات الشعارات الرنانة لحرية التعبير والحوار وأهميتها في تكوين شخصية الطفل والمراهق والشاب على حد سواء.


لقد حمل إعصار العولمة الكوني معه دوامات وسائل التواصل الاجتماعي، وتضافرت هذه العوامل لإشاعة الأفكار الغربية المنادية بالاستقلال الفردي وحرية الرأي وكل ما يدور في فلك هذه التعابير التي تفاعلت بسرعة البرق مع الطبيعة الفطرية المتمردة للمراهقين والشباب فواجهتها السلطة الأبوية بمحاولات الوأد والإلغاء.

وبسرعة قياسية تبنّت الآليات التربوية المفاهيم الجديدة وعملت على نشرها في صفوف الناشئين دون الإلتفات ألى ضرورة توعية المجتمع بكافة فئاته و شرائحه لتأمين الإندماج السلس بين الأفكار الوافدة وبين الشرائع المترسخة في ذهنية غالبية الأهل مما قادهم لاإراديا ليكونوا العيدان التي تحرّك الحمم التي تنذر بالإشتعال وصولا الى انفجار البركان.


تخبط الأهل

  لم يتسن للأهل الوقت لبلورة الأفكار العصرية التي هرع الأولاد لتطبيقها تحت لواء الحقوق الفردية فكانت مواكبتها أو مواجهتها تعود للمخزون الثقافي لكل فئة منهم.
فمنهم من شكّلوا أعمدة التخبّط بكل معنى الكلمة، وهم أفراد الفئة التي تنعت نفسها بـ”الراقية” وتسعى لتبنّي كلّ جديد بدون تردد، وفي هذا السياق خضعوا لتبنّي المفهوم الجديد كي لا يتم اتهامُهم بالرجعيّة والتخلّف ولكنهم عاشوا صراعاً ما بين قدسية التقاليد المغروسة في اللاوعي لديهم وبين وهج المفاهيم الجديدة التي فرضت نفسها بتلقائية مريبة.

أمّا أفراد الطبقة الشعبية التي لم تتأثر كثيراً بالانفتاح الفكري، فقد رفضوا المفاهيم الجديدة جملة وتفصيلاً، واختاروا عيش الصراع الداخلي مع الأولاد دون مراعاة النتائج على الطرفين.
ومن العائلات قِلّةٌ قليلة حسمت الصراع بعقلانية عبر التوافق مع الأولاد على تحديد موضوعات النقاش مقابل الإبقاء على ثوابتَ قد تكون دينية أو أخلاقية أو مجتمعية أو غيرها.

واليوم، وبعدما فرضت أفكار التحرر الفردي نفسها، لا يزال التخبط سيد الموقف ما بين حرص الأهل على صورة أصحاب “الفكر المنفتح” عبر إعطاء أولادهم مساحة للتعبير عن الرأي والاستقلالية ، مقابل اصطدامهم بمواقف يعصى عليهم مناقشتها وتفهّمها حين بدأ جنوح الأولاد نحو موضوعات تتجاوز حدود حريات التعبير والرأي، وتتخطى أحياناً خطوط التقاليد والقيم بأشواط.

الصراع بين الموروث والمكتسب

هناك عدة سيناريوهات ترصد مشاهدات لمواقف الأبناء في مواجهة التعاليم الغربية.
المشهد الأول -وهم قلة- لأبناء حافظواعلى التزامهم بالتقاليد والقيم السائدة، بل ربما ازدادوا التزاما، حفاظا على التعاليم الدينية ومراعاة لبيئاتهم الأسرية والمجتمعية.

والمشهد الثاني لأبناء ركبوا موجة “الحياة الورديّة” لـ”التحضر” بدون تردُّد فتقمّصوا الشخصية الغربية بكل تفاصيلها، وانساقوا في هذا الركب شكلاً ومضموناً ضاربين بعرض الحائط كلّ التقاليد والمبادئ جملة وتفصيلاً إيماناً منهم بأنها تمثل “الرجعية” التي تشوه صورتهم “البرّاقة”.


أما المشهد الثالث فهو لأبناء تلقوا تربية سليمة واستمدوا منها نضجاً ساعدهم على التوأمة بين الأفكار الوافدة والمبادئ التي تربَّوا عليها، فشكّلت تلك الأفكار في وعيهم نواةً وريشةً لرسم مستقبل واعد.


صراع الأجيال وتبلور الهوية


خلف الأبواب والشبابيك المقفلة دار كمٌّ من الحوارات والمناقشات نتج عنها مسارات عدّة:
كان النقاشُ بنّاءاً في المسار الأول واستطاع الأبناء والأهل التوصل لصيغ تفاهم في محاور عدّة… تجلّى أحدها في التوافق على اعتناق الأفكار الجديدة بحلوها ومرّها، أو رفضها رفضاً باتاً والتمسّك بالموروث من قبل الأهل والأبناء على حد سواء.

وفي المحور الآخر جرى الاتـّفاق على تحديد معاييرِ قبول التحديث مع الحفاظ على ثوابت معينة من التقاليد والمبادئ مع ترك باب الحوار مفتوحاً لمواكبة المواقف المستجدة بوقتها.

أما في المسار الآخر فقد احتدم فيه النّقاش وتحوّل المشهد إلى علاقات استفزازية بين مراهقين وشباب يعتبرون أنّ أهلهم يصمّون آذانهم عن الحوار، وبين الأهل الذين استسلموا لعقم محاولات التواصل مع أبنائهم فلجأ البعض منهم الى السياسة القمعية للسلطة الأبوية باستخدام الحدة التي تفاقم المشكلة، أو باتخاذ مواقف سلبية. وكانت النتيجة اتساع الهوّة بين الأجيال وانعزال الأبناء عن الأهل وانحيازهم إلى عالم الرفاق أو الى فضاء وسائل التواصل الاجتماعي، وهو أحد المسارات الخطرة التي تدق ناقوس خطر الإنحراف بأوجهه المتعدّدة.

التوازن المنشود لإخماد البركان


لا بد من الإقرار بأنّ اكتساح الأفكار الجديدة قد وسّع الهوة التي كانت موجودة دائما بين الأجيال لتتحول فوهة بركانٍ بدأت بوادرُ انفجاره تلوح مع تغيّر طبيعة العلاقة بين الأهل والأبناء. وعلينا أن نعي سبل اخماده قبل فوات الأوان.
فلا يخفى على أحد أنّ المجتمعات الغربية تسعى لإعادة بلورة هذه الروابط والحثّ عليها من خلال الإعلانات والأفلام ويعود السبب للانعكاسات السلبية التي شهدتها تلك المجتمعات بعد ترسخ “الفردنة” اذا صح التعبير.
علينا تدارك الأمر قبل فوات الأوان… فلنستثمر مخزوننا العاطفي الذي يُميِّز علاقاتنا العائلية ونواكبه لمسايرة التطور الكاسح، ولنعِ أنّه لا بدّ من تقبله من الطرفين وعقد اتفاق مصالحة يحدد هوامش تغييرية تقودنا نحو الأفضل مع الحفاظ على هويتنا العائلية والقيمية.


فالتطوّر الفكري -أيها الشباب- لا يقوم على تشويه جمالية الأفكار والمبادئ التقليدية، ولا على نسف دور الأهل، بل لعلهم المدماك الذي يمنع الانزلاق في مجاهل التطور بأوجهه التي تحوي الغّث والسمين، وذلك بالحوار البنّاء الذي لا ينتقص من شخصيتكم.

وأيها الأهل، لا تقفوا في وجه الموجة فهي عاتية ولكنها تحمل في طيّاتها ماءاً عذباً يبشِّر بمستقبلٍ واعد إذا أحسنتم الاستفادة منها في إخماد البركان عبر ضبط الميزان بين قيم الماضي والحاضر بالحب والحوار. واعلموا وعوا أنّ عصا الأجداد لم تعد مجدية، بل إنّ ألمها سيرتدّ على قلوبكم هجراناً أو تمرّداً.

 يا جيل المستقبل،
أملنا بكم كبير لصياغة هوية جديدة لمجتمع متطوّر عقلاني لا يتخلى عن جذوره، بل يلقّحها بنفحات إدراك مواكبة التطور والانفتاح.

شاركها.