أحمد الأيوبي
تشعّبت أزمةُ بلدية طرابلس وتفاقمت حتى تكاد تتحوّل إلى واحدة من أزمات لبنان الدائمة، وهذا أثـّر على مكانتها لدى الرأي العام وفي مواقع القرار ولدى الجهات الدولية المعنية بالتعاون والتنمية، حتى باتت منبوذة كالبعير الأجربِ، وباتت مصالح أبنائها في مهبّ رياح الفوضى والتشرذم والكيديات والصراعات الشخصية، مما يهدِّد مستقبل العمل البلدي، ونحن على مشارف استحقاقات تشي بشيوع الفوضى والفراغ الدستوري والإداري.
تابع الناس جولات السجال بين أعضاء المجلس البلدي خلال الأشهر الماضية ولاحظ أهل طرابلس أنّ الأوضاع ازدادت حماوة بعد الإطاحة بالدكتور رياض يمق على خلفية إجماع المتخاصمين اليوم على أنّه لم يوفق في إدارة العمل البلدي.
ذهب بعض الأعضاء إلى التسرّع بدعم الرئيس المخلوع أحمد قمر الدين، في إطار النزاعات القائمة، وتزامن ذلك مع إصدار محافظ الشمال رمزي نهرا قرار التكليف المشبوه لقمر الدين بأعمال رئاسة البلدية، بدل الدعوة إلى جلسة لانتخاب رئيس أصيلٍ للبلدية.
رفع هذا القرارُ منسوبَ التوترِ، وزاد الطين بِلّةً ضغطُ بعض الجهات السياسية التي تدور في فلك الممانعة لصالح قمر الدين، وظهور العامل السياسي في الأزمة البلدية بشكل واضح، لاستغلال الخلافات القائمة وزيادة الشرخ والتصدّع داخل المجلس، مما خلق موجة اعتراض واضحة لدى الرأي العام جعلت أكثر النواب والمرجعيات تعيد النظر في مقاربتها للأزمة البلدية، ودفعت عدداً من الأعضاء إلى الانتباه إلى هذه الناحية وهم لا يرتضون بالاختراق السياسي، ولا يقبلون بوقوع البلدية تحت سيطرة المحافظ ومن وراءه، رغم اشتداد خلافاتهم مع زملاء لهم حول كيفية إدارة الشأن البلدي.
كان مؤسفاً أن تشهد المجموعة التي أوصلت الدكتور يمق خلافاتٍ حادة على خلفيات لا يجب السماح بتسلُّلها إلى صفوف أعضائها، خاصة أنّهم الأقرب في الرؤية لأوضاع البلدية، وهم الأقرب في التوجهات العامة بحيث يشكلون مجموعة متجانسة كان يفترض أن تنجح في تأمين عملية انتقال سلس للسلطة البلدية.
هذه الثوابت الجامعة لأعضاء مجموعة “معاً للإصلاح البلدي” لا تزال تجمع أعضاءها جميعاً، سواء منهم أغلبيتها المجتمعة أو بعض أعضائها الذين اختلفوا حول خيارات حلّ الأزمة البلدية.
لا يزال الوقت متاحاً للجميع من أجل التنازل لصالح طرابلس والاتجاه خطوات نحو إعادة اللحمة والتعاون ونبذ الخلافات وتجاوز ما صدر في الأيام والأسابيع الفائتة من شجار أجّجه خصومهم والساعون للتلاعب بمصير البلدية والمدينة، ولا تزال الفرصة قائمة لاستدراك ومعالجة الكوارث التي يعانيها أبناء طرابلس من خلال التفاهم على برنامج عمل يضع الأولويات على قاعدة الإصلاح والتشاور ونبذ التفرّد والاستئثار والالتزام بروح الفريق والتشاور والتعاون على قاعدة التكامل فيما بين أعضاء المجموعة أولاً وسائر أعضاء المجلس تالياً.
آن الأوان لطيّ صفحة الخلافات والاتجاه نحو الخيارات الصحيحة، خاصة أنّ أغلب من يؤيّدون أحمد قمر الدين لا يؤيدونه عن قناعة، وهم الذين خبروا فشله في رئاسته السابقة وكانوا شركاء في إسقاطه.
يبقى الآن خيار انتخاب الدكتور خالد تدمري رئيساً للبلدية وهو الخيار الأقرب للمنطق والمصلحة العامة، نظراً لنظافة كفه وكفاءته المهنية والإدارية وخبرته في العمل البلدي، فضلاً عن أنّه فاز بثقة عشرين ألف ناخب طرابلسيّ.
ولا شكّ بأنّ نجاح هذه الخطوة يحتاج إلى مقاربة واقعية من الدكتور تدمري وبقية أعضاء المجلس البلدي، فالواقع كارثيّ والإمكانات محدودة ولا يمكن انتظار تحقيق إنجازات من العيار الثقيل، بل المطلوب وضع الأولويات والتفاهم عليها بروح التعاون والتخلي عن لغة الصراع والانقسام.
تجري هذه الأيام وساطات من أهل الخير الحريصين على جمع الشمل، وهي جهود مقدَّرة، ويجب أن تحظى بالدعم والتأييد، وأن يتداعى أعضاء المجلس لملاقاتها، خاصة أنّها تصدر عن مرجعيات لا مصالح خاصة لها ولا تنتظر تحقيق مكاسب سياسية في سعيها لإيجاد مخارج للأزمة البلدية.
ثمّة بوادر إيجابية تلوح في الأفق، وهي مؤشِّراتٌ توحي بعودة الوئام والتعاون بين عدد كبير من أعضاء المجلس البلدي، بما يُمَهِّدُ للتفاهم على برنامج عمل يسمح بانتخاب رئيس ونائب رئيس لبلدية طرابلس وتمهيد الطريق أمام شراكتهم جميعاً في عملية الإنقاذ البلدي التي ينتظرها أبناء المدينة ويعرقلها من يريد لها المزيد من التهميش والحرمان، وهم منتشرون في المواقع السياسية والإدارية والإعلامية.
إنّ معادلة التفاهم المنتظرة مبنية على استبعاد معادلة الغالب والمغلوب، واعتماد قاعدة “الربح للجميع” من الساعين لتحقيق مصلحة طرابلس، وإنّ كانت قد تفرّقت بهم السُّبُلُ في الآونة الأخيرة، وهذا يستوجب تبريد النفوس والاستعداد للمصالحة وخفض الجناح واستعادة قواعد النضال المشترك وإبداء حسن النوايا وتغليب خطاب التراحم والتواصل والسعي إلى تسخير العمل البلدي للتخفيف من آثار الأزمات على الناس، وهذه هي الغاية الكبرى للعمل في الشأن العام.
