
طارق الحجيري
ككثر من اللبنانيين المحرومين من نعمة الكهرباء بفضل ذكاء وانجازات أيقونة العهد الأسود جبران ، لم يسعفني الحظ ( وربما من حسنه ) انني لم أشاهد حفل انتخاب ملكة جمال لبنان مباشرة على شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال سهرة أمس بل شاهدت بعضه عبر وسائل التواصل .
لا أحد ضد الجمال ولا أحد يكره الجمال بل فطرة البشر محبة كل ما هو جميل في الإنسان وما يصنعه شعرا وأدبا ورياضة وصناعة وغير ذلك ؛ وفي الطبيعة ايضا لأن معظم الناس في حالات الملل والغضب والتفكير والتصوير والتنزه وفي بناء القصور والمنتزهات يبحثون عن جمال الطبيعة وكلنا نردد عبارة ” الله جميل يحب الجمال ” .
لكن ما رأيناه وشاهدناه بالأمس يشكل اساءة للمرأة اللبنانية الجميلة المثقفة العاملة المبدعة النشيطة من المستشفى للمختبر للجامعة للمدرسة للصيدلية للمجالس النيابية والبلدية والاختيارية والوزارات للجريدة للمحال التجارية للمنزل وكل مناحي الحياة .
ليس صحيحا ما يردده بعض تجار البشر وعبيد الدولار واصحاب الملاهي وبات بمثابة شعارهم الذهبي ” كوني جميلة واصمتي ” ،، بل العكس تماما هو الصحيح ” كوني جميلة انيقة شكلا ومضمونا وأبدعي وتكلمي وتفاخري بنفسك ” .
ما شاهدناه منذ اسابيع قليلة في الشهادات الرسمية وما نعرفه في كل المدارس والمعاهد والجامعات وعلى كامل مساحة لبنان هو تفوق الطالبات على زملائهم الطلاب وتصدرهن النتائج اغلب الدورات والسنوات ،، وفي كل نقابات المهن الحرة صيادلة محامين مهندسين معلمين اطباء إعلاميين ممرضين وغيرها بات عدد منتسبيها من النساء يزيد على الرجال .
ما حصل بالأمس هي تسليع قذر رخيص وضيع لجسد المرأة اللبنانية تحت شعار نسبة المشاهدة ( الرايتينغ ) وتجارة الإعلانات وتجار المرأة وجسدها .
وهنا الغرابة الشديدة والسؤال الملح : أين هي الجمعيات الحقوقية النسوية ؟؟؟ اين المنادين بحقوق المرأة ومنع تزويج القاصرات ؟؟؟ أين المطالبين والمتشدقين بالمساواة الكاملة بين الرجل والمرأة ؟؟؟ اين ؟؟ وأين ؟؟؟
هل يعجز الشعب اللبناني عن تقديم عشرين او ثلاثين او مئة او ألف متسابقة جميلة ومثقفة وتعيش واقع شعبها الأليم وتعرف كيف تساعد وتساهم من خلال لقبها بالبحث عن حلول لعشرات المشاكل الإنسانية كالأطفال المصابين بالسرطان او الصم والبكم او المعوقين او المتسربين من المدارس وغيرهم ؟؟؟
ان بلد مي زيادة ونظيرة جنبلاط واميلي نصرالله وبديعة مصابني ونايلة حمادة تويني ومي ارسلان ومي شدياق وسناء محيدلي وريا الحسن وغيرهن الكثيرات الكثيرات من السيدات المجليات الجميلات يأبى ويرفض أن تكون صورة نسائه تافهة وسخيفة كالتي شاهدناها بالأمس .
لبنان هذا ليس بعاجز عن تقديم ابهى صورة عن جمال المراة اللبنانية شكلا طبيعيا بعيدا عن مبضع الجراح ومضمونا انسانيا مثقفا مزينا بطلاقة اللسان وتماسك الحوار .
المرأة اللبنانية وخاصة في سنوات الأزمة الثلاثة شكلت عمادا قويا داعما لمئات الالاف الأسر وحافظت على تماسكها ووحدتها وكانت خير سند لزوجها بانتظار انفراج الأحوال .
فلتكن شروط التنافس في المرات القادمة قائمة على الشكل والمضمون ولتكن ملكة جمال لبنان نموذجا بل صورة فعلية عن المرأة اللبنانية الذكية الناضجة المثقفة الملمة بشؤون اهلها وبلدها .
اللبنانية شاطرة وذكية لكنها ابدا ابدا ليست تافهة .
