شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

كتبت دنيز عطالله

في المدن وينشره البديل

كان الغضب الواضح في مقر البطريركية المارونية الصيفي، اليوم الاربعاء، يناقض هدوء وسكينة المنطقة التي تحتضنه في الديمان.

لكن أوضح ما يمكن قراءته في ملامح البطريرك بشارة الراعي كان الشعور بالمرارة والأسى للأسلوب الذي أعتمد في توقيف راعي أبرشية حيفا والأراضي المقدسة، النائب البطريركي المطران موسى الحاج.



بيان المجمع الدائم


هذه القضية ودلالاتها ورسائلها حضرت في كل نقاش في زوايا الدير وباحاته. وتمثلت انتفاضة بكركي في دعوة “المجمع الدائم”. وهو مجمع ضيق يُعقد عند الضرورات القصوى والحالات الطارئة والخطيرة، مؤلف من أربعة أساقفة. وقد شارك اليوم المطران الحاج. 

وجاء في البيان الذي تلاه وليد غياض “ما كانت البطريركية المارونية تظن أنها يمكن أن تصل إلى زمن في جمهورية لبنان الكبير، يتم التعرض فيها لأسقف من دون وجه حق وأي اعتبار لدوره ورسالته، ومن دون العودة إلى مرجعيته الكنسية العليا التي كان لها، ولا يزال، الدور الرائد والطليعي في تأسيس هذه الجمهورية واستمراريتها. وقد أرادتها دولة ديموقراطية تُجل الحريات وتقدر الخصوصيات ويحكمها مسؤولون يلتزمون الدستور ويحمون الشرعية ويحفظون العدل ويترفعون عن الحزبيات والمصالح العائلية”.

أضاف البيان “أول من أمس اعترضت عناصر بقرار من مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي فادي عقيقي، المطران موسى الحاج وهو قادم كعادته من أبرشيته في الأرض المقدسة، واحتجزته لأكثر أكثر من 12 ساعة، وحققوا معه من دون مبرر، وصادروا منه هاتفه وأوراقه والمساعدات الطبية والمالية التي كان يحملها للمحتاجين والمرضى في لبنان من كل الطوائف، من محسنين لبنانيين وفلسطينيين، لأن دولتهم لم تحسن في السنوات الأخيرة إدارة البلاد”.

وتابع “أما وقد حصل كل ذلك، لا بد من مواجهة هذا التطاول وتصحيحه بمحاسبة كل مسؤول عما جرى مهما كان منصب حتى إقالته. إن ما تعرض له المطران الحاج أعادنا إلى أزمنة الاحتلال والولاة في القرون السابقة، حين كان الغزاة والمحتلون يحاولون النيل من دور الكنيسة المارونية في لبنان والشرق، هي التي زرعت في هذا الأرجاء روح الحرية والصمود ومفهوم الدفاع عن حقوق الانسان وحرية المعتقدات والتآخي بين الأديان”.

“إن الذين أوحوا من قعر مناصبهم بالتعرض للمطران الحاج، وخططوا وأمروا ونفذوا عملهم المدان، غاب عنهم أن ما قاموا وما يقومون به لم ولن يؤثرعلى الصرح البطريركي، الذي صمد في وجه ممالك وسلطانات ودول، فزالوا هم وبقيت البطريركية في خدمة الانسان ولبنان”.



يلتزم توجيهات بكركي والفاتيكان


أضاف البيان “إن سيادة المطران الحاج كسائر المطارنة الذين سبقوه على رأس الأبرشية، يلتزم توجيهات البطريركية المارونية ورسالة حاضرة الفاتيكان، بحرص دائم على القيام بدوره بشجاعة وحكمة وروح إنسانية في خدمة الحق، خصوصاً في أزمنة الضيق والبلايا. إن قلبه من لحم ودم لا من حجر كقلوب الذين لا يولون اهتماماً لمآسي الشعب. لو نأى بنفسه لوجب لومه”.

وأكد “إن المجمع الدائم ليس في موقع تبرير ما قام به المطران الحاج، بل يؤكد على أحقية ما يقوم به ويسانده”.

وجاء في البيان: “نرفض ونَشجُب ونَستنكر بأشدِ العبارات ما اقتُرف عن سابقِ تصورٍ وتصميم، وفي توقيتٍ لافتٍ ومشبوه، ولغاياتٍ كيدية معروفة، بحقِ أخينا المطران موسى الحاج. ونطالب بوقفِ هذه المسرحية الأمنية، القضائية، السياسية، وإعادةِ كل المساعدات التي احتُجزت إلى سيادة المطران لتَصلَ الأمانات إلى أصحابها الذين ينتظرونها، وإغلاقِ هذه القضية فورًا. 
وإننا نستغرب صمت الدولة تجاه ما تعرض له صاحب السيادة، ونطالب وزير العدل اتخاذ الإجراءات المسلكية اللازمنة بحق كل من تثبت مسؤوليته في فعل الإساءة المتعمد”.
وذكّر “أنها ليست المرة الأولى التي يَقترف فيها مفوضُ الحكومةِ لدى المحكمةِ العسكرية أعمالًا خارج الأعراف والمألوف. لذلك نطالب أيَضًا مدعي عام التمييز إحالة القاضي عقيقي إلى التفتيش القضائي وتنحيته. ونجدد مطالبتنا باستقلالية القضاء عن السلطة السياسية”.



تهكم أكثر إيلاماً من العتب


كان يوماً طويلاً على البطريرك والديمان. عقد اجتماع المجمع عند الرابعة والنصف ودام حتى ما بعد الثامنة مساء. أكثر ما أحزن البطريرك الراعي واستفزه “مصادرة جواز سفر المطران وهاتفه، وكأنه مدان وهناك تخوّف من هروبه من العدالة”.

مع ذلك يؤكد الراعي لزوارهأنه لم يبادر إلى الاتصال بأي مرجع مسؤول، “كي لا أهدر أوقاتهم الثمينة” كما قال. هي “دماثة” بطريركية موروثة، جُرح تهكمها أشدّ إيلاماً من كل مفردات الإدانة والعتب.
لكن الراعي تلقى عدداً من الاتصالات من رئاسة الجمهورية والحكومة ومسؤولين أمنيين، وقد شرح لهم بالتفصيل ما تعرض له المطران الحاج مبدياً شديد استيائه. ونقلت “المركزية” أن المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم اتصل بالراعي، وقال له إن توقيف المطران الحاج ونزع جواز سفره ومنعه من السفر كان تنفيذاً لقرار قضائي من القاضي فادي عقيقي.

يخبر الراعي زواره أن “حضورنا ككنيسة في الأراضي المقدسة يعود إلى العام 1736، ولم ننقطع يوماً عن الخدمة حتى في أصعب الظروف”.



الموارنة في الأراضي المقدسة


يستغرب أسقف ماروني “السابقة المدانة”. ويقول لـ”المدن” إن “الحضور الماروني في الأراضي المقدسة قديم جداً ولم ينقطع. وإلى اليوم يوجد حوالى ثمانية إلى عشرة الآف ماروني وربما أكثر بقليل. ولمن لا يعرف كان البطريرك الياس الحويك أول نائب بطريركي على أبرشية حيفا والأراضي المقدسة قبل أن يُنتخب بطريركا عام 1899. وقد سبق المطران الحاج اليوم المطران بولس الصيّاح كنائب بطريركي عام”. ويسأل الأسقف “ألا يعرف المسؤولون أن الكنيسة المارونية مسؤولة عن أبنائها في حيفا والناصرة وعسفيا والجش -التي تضم كنيسة ضخمة على اسم القديس مارون- وعكا والمكر والقدس؟ ألا يعرفون أن نكبة العام 1948 هجّرت قريتين مارونيتين هما كفربرعم والمنصورة، يتوارث أبناؤها مفاتيح منازلهم فيها إلى اليوم، كما يرثون حكايا أهلهم وذكرياتهم؟”.

ويذكّر الاسقف “أن لبعض الرهبانيات النسائية اللبنانية أدياراً في الأراضي المقدسة والراهبات يذهبنَ باستمرار للخدمة فيها. فهل ستتعرض الراهبات لاحقا للتوقيف كذلك؟”. يضيف “من ينبرون اليوم إلى الكلام والاستهجان، وحتى الدهشة، لا يعرفون لا تاريخ الكنيسة ولا البلد. وهذا تقصير منهم. الأكيد أننا لن نسمح تحت أي ظرف بأن يتم ترهيبنا أو تغيير طبيعة لبنان ودوره كما دورالكنيسة الروحي والإنساني الذي يبلسم الجراح”.



موقف فاتيكاني لافت للانتباه


ما تعرض له المطران الحاج، استدعى مواقف مستنكرة ومُدينة من عدد من النواب والقوى السياسية. وكالعادة، دخلت مواقع التواصل الاجتماعي على خط الدفاع كما الهجوم.

لكن ما يجدر التوقف عنده، هو إسراع السفير البابوي جوزيف سبيتيري إلى التصريح واعتباره، في حديث تلفزيوني، أن ما حصل “أمر بغاية الخطورة”. ومعروف أن الفاتيكان، وخصوصا ديبلوماسييه، آخر من يعلنون موقفاً في العادة. وقد قال سبيتيري “ليست هذه الطريقة التي تعالج بها القضايا في بلد ديموقراطي كلبنان. وإذا أراد أحدهم توجيه رسالة فهنالك طرق كثيرة لذلك”.

موقف السفير البابوي فتح باب الإجتهاد فكثر الكلام إلى حدود اعتبار أن توقيف الحاج رسالة تتجاوز لبنان ومسيحييه لتصل إلى الفاتيكان على خلفية مشاريع تطال المنطقة ولبنان ودوره وهويته من ضمنها. يتحفظ أسقف مطّلع على دوائر الفاتيكان على هذه القراءة “حتى الآن” كما يقول، ويضيف “لا معلومات لدينا بهذا الخصوص. لكن إذا كان أحد الأفرقاء يفكر ويتصرف على هذه الخلفية فهو يجهل تماماً آليات عمل الفاتيكان والكنيسة وطرق مقاربتها للأمور”.

شاركها.