سليمان الفرزلي
رئيس تحرير صحيفة «الميزان» اللندنية
في الكلمة التي القاها نجيب ميقاتي في الاحتفال السياحي أمس، أهان رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانيين إهانة بالغة وجارحة بشكل نكتة غنائية سمجة وهو يظنها بليغة.
هي في جوهرها “إبلاغية” من حيث أراد أن يبلغ اللبنانيين أن “العصفورية” (دار رعاية المصابين بأمراض عقلية) تنتظرهم في المستقبل القريب.
فعندما امتدح وزير السياحة لاختياره شعارات للمواسم السياحية من أغان فولكلورية عزيزة على قلوب اللبنانيين مثل “حبيتك يا لبنان” و “أهلا بها الطلة”، بدا تاليًا وكأنه يسخر منه عندما أضاف إنه يخشى ان يكون الشعار المقبل اغنية “عالعصفورية”، بل نطق بها ملحنة بصوت غنائي إمعانا في السخرية المغلفة بالنكتة.
وكأنه يهز برأسه هازئًا ليقول في سره: أنظروا إلى هذا المعتوه الذي يظن ان موسما سياحيًا يمكن أن يغني عن البنك الدولي وصندوق النقد.

ويخطر لمشاهد تلك المسخرة ان يصرخ بأعلى صوته: ما هؤلاء اللبنانيون الذين صفقوا له وهو يدندن اغنية “عالعصفورية” وكأنه من المطربين يقول كلامًا مطربًا.. وهو قصد أن يقول كلامًا محبطًا.
ما هؤلاء اللبنانيون الذين يخيرهم رؤساؤهم بين “جهنم” و “العصفورية” ولا يحركون ساكنًا، بل يصفقون بحماس لمن يضحك عليهم.
أمام هذا المشهد يمكن للمرء ان يغمض عينيه ليسترجع صورة الصحافي العراقي منتظر الزيدي يوم ١٤ كانون الأول من عام ٢٠٠٨ وهو يخلع حذاءه ويرمي به الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش في قاعة مكتظة بالحضور وأمام عدسات العالم قاطبة. ذاك المشهد استحق التصفيق وناله.
كأن اللبنانيين أمام مشهدية سوريالية يخيرهم فيها رؤساؤهم بين هذه وتلك، او يحددون لهم الجغرافيا السياسية والاقتصادية المقبلة: “جهنم” للمسيحيين، و “العصفورية” للمسلمين. أم ماذا؟
ألم يتذكر أحد منهم الخمسمائة دولار التي استلها نجيب ميقاتي سلفًا من كل لبناني حمل هاتفًا؟
الم يتذكر أحد كيف تسلق على اثير “راديو اوربان” راكبًا على ظهر السوريين؟
او اخيرا وضع يده على قسط وافر من سلفات بنك الإسكان المخصصة للموظفين واصحاب الدخل المحدود؟
صفقوا له وهو يغني لهم “عالعصفورية” وكأنه يسوقهم اليها، بعدما استل أموالهم بخفة ابي نواس عندما استل روح الدن حيث قال:
ما زلت استل روح الدن في لطف
واستقي دمه من جوف مجروح
حتى انثنيت ولي روحان في جسد
والدن منطرح جسما بلا روح
هذه هي القصة. بات الشعب اللبناني منطرحا جسمًا بلا روح، بعدما استل الحرامية دمه بخفة النشالين.
