شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

بقلم صفوح منجّد

يُجمع الاساتذة والباحثون في علم الإجتماع أنّ الشعوب لا تستقر على حال بل هي في حراك دائم على كل الاصعدة الحياتية واللغوية إضافة إلى التطور وإكتساب مهارات جديدة، وأنّ ذلك قد يتطلب قرونا وأجيالا، وبالطبع لم يُقدم أحد من هؤلاء الباحثين على إجراء دراسات حديثة في ما يتعلق بأوضاع لبنان وبحياة شعبه وما عاشه من ظروف قاهرة وتطورات في العقود الأخيرة وأزمات ومآسي في غضون السنوات القليلة التي مضت حتى يكون بإمكانهم وضع تصورعن هذه التحولات، ولكن بالإمكان أن نشاهد وأن نتلمّس هذه المتغيرات في جولة سريعة تتناول مجموعات سكّانية لبنانية من مختلف الأعمار شبانا ورجالا وكهولا من الجنسين وربما تبدو هذه الحالات أكثر بروزا لدى صغار السن.

فأطفال لبنان وتحديدا أطفال هذه المدينة المنكوبة والتي مضى على حرمانها وتجاهل أوضاعها وحرمان أبنائها بل منعهم من الإلتحاق بالحياة الحرة و  الكريمة جعلهم ينسون والحقيقة يتناسون ما عاشه آباؤهم من بحبوحة في “أيام العز” حتى أن ألعابهم مع أقرانهم وأبناء حاراتهم قد غابت عن أسماعهم وأبصارهم وذاكرتهم .

ها هم ينطلقون مع أول دعوة لهم للتجمع في ساحات المدينة ومشاركة شبابها ورجالها في التحرك من أجل لبنان الواحد الموحد من أجل قضاياهم الوطنية من أجل الغذاء والدواء والكهرباء، إذ بنا نرى هؤلاء الأطفال يطلقون حناجرهم ويرددون شعارات وأهازيج واحدة منها ” أعيدوا لنا كرامتنا وعزتنا ” ” من سرق منا مستقبلنا ؟” “أوقفوا وحاكموا الفاسدين والسارقين ” ” لن نقبل بعد اليوم سرقة أحلامنا وتحطيم تاريخنا وإحتراق مستقبلنا” .

هذا الجيل الطرابلسي هل بإمكانه أن يبدد صور المآسي التي أصبحت محفورة في ذاكرته، وبات إبن العشر سنوات يحدثك عن الفساد لدى نواب ووزراء ومسؤولين كبارا، ويناقشك الواحد من هؤلاء الأطفال عن تهريب العملات الأجنبية إلى الخارج ويشرح لك أنّ السكوت عن ما يصيب النظام السياسي في لبنان هو هذا التواطؤ بين الحاكم وبين “الأدوات” التي تم زرعها في الدوائر والمؤسسات لتكون في خدمة الطبقة الحاكمة .

وبعفوية ومن دون أي سابق توجيه ترى هذا الصغير يردد بشكل حاسم: هو حزب السلاح الذي يهدد حاضرالبلد ومصيره ومستقبله.وبدل أن يتابع تراه يطرح عليك السؤال : من يعطّل البلد ويشل الوزارات ويمنع الإنتاج ويعرقل الحياة الإقتصادية ويُفقد المرافق والدوائر حركتها الإنتاجية والخدماتية ؟ بإستثناء تلك الأوضاع القائمة في مناطق نفوذه والشرح يطول.

لقد أطاحوا بالوثيقة الدستورية ومفاعيلها الإقتصادية والسياسية بما في ذلك إنتماء لبنان إلى عائلته العربية من خلال ذلك الهجوم المتجدد الذي يتعرّض له المسؤولون السعوديون والإماراتيون وكذلك حكام مصر والعراق والأردن ويدفعون البلد نحو مزيد من التدهور وتفتيت ما تبقى من إمكانياته ودفعه نحو الإنهيار الكامل.

لقد جرّب “صاحب السلاح” هذه “البهلوانيات” التي لم تعد تنطلي على أحد، لقد جرّب حرب تموز الأولى  في العام 2006 حين أبلغ اللبنانيين بل حاول اللعب بعقولهم حين قال أنه وسلاحه ذاهبون إلى ما بعد بعد حيفا ، ليفيق اللبنانيون على مشاهد المجازر التي إرتكبها الإسرائيليون في لبنان، وليصرّح قائد حزب السلاح بأنه لو كان يعلم بهذا الرد الإسرائيلي لما كان قد تجاوز الخط الأزرق عند الحدود الجنوبية والذي إتخذ منه العدو ذريعة ليفتك بالأرض والشعب والمؤسسات ، فهل ما قاله “القائد” منذ أيام بأنّ مسيّراته ستصل إلى ما بعد بعد كاريش، فهل نحن أمام تهيئة “المسرح” لحرب إسرائيلية جديدة بإتجاه لبنان وأنّ “القائد” على إستعداد هذه المرة أيضا لكي يردد عبارته الشهيرة في وقت لاحق( لو كنت أدري) !!؟ .

من جهة ثانية لقد حاول “حزب السلاح” قبيل التحضيرات للإنتخابات النيابية الأخيرة الترويج لأولوياته الإقتصادية والحياتية والتي لم تكن سوى من باب “ذر الرماد في العيون” للتعمية عن دوره الحقيقي في تفتيت هذا البلد ودحرجته نحو المجهول لتسهيل ” بلعه” بأسرع وقت ممكن لفرض سياسة الهيمنة العسكرية والسياسية والإقتصادية.

سيما وأنه قد عبّر عن إستيائه الشديد من القرارات والأحكام الجديدة التي صدرت عن محكمة العدل الدولية حول تجريم عدد من أعضاء الحزب في مشاركتم بجريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري حيث إعتبر مقرّبون من الحزب أنّ هذه القرارات هي بهدف النيل من الحصانة الداخلية التي كوّنها خلال السنوات الأخيرة.

يضاف إلى ذلك أن القضاء الدولي قد طالب الشركة التي قامت بتفريغ حمولتها من المواد المتفجرة في مرفأ بيروت والتي إنفجرت في 4 آب 2020، بوجوب الكشف عن أسماء الذين إستوردوا هذه المواد المتفجرة والتي أفرغوها في مرفأ بيروت وإنفجرت في ما وُصف بأنه إنفجار العصر، بأن هذا الكشف سيطال أسماء كبيرة على علاقة بهذا الحزب.

غير أنّ الأمر الاساسي الذي جعل حزب السلاح يتوجّس شرّا من مفاعيله على صعيد المنطقة أتت تفاصيله من العراق الذي بدأ منذ أشهر يشهد تحولات ذات شأن وتأثير بارزين قد يطيحان بشكل نهائي ” مشروع الطموح الإيراني” الساعي إلى وضع يده بصورة نهائية على “خط العواصم العربية الثلاث بغداد- دمشق- بيروت ويبدو أن هذا المشروع قد بدا بالتخلخل والتعثّر في ضوء الزيارات التي قام بها ولي العهد السعودي إلى عدد من الدول العربية وفي مقدمها مصر والعراق ، إلى جانب الحراك الذي كان قد بداه السفير السعودي في لبنان منذ عودته إلى بيروت وشمل موحة واسعة من القوى والقيادات السياسية اللبنانية والتي اسفرت عن مواقف وتصاريح أدلى بها معظم هؤلاء ويشيدون فيها بالدور اللبناني المطلوب لتعزيز علاقاته بالدول العربية، وقد عبّر قياديون مقرّبون من حزب السلاح عن قلقهم بأن طريق طهران – بغداد – دمشق- بيروت- قد أصيب بعطب .

في حين لم تخف القيادة الإيرانية قلقها وإمتعاضها من الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة العراقية إلى مصر، إلى جانب تحرك غير مسبوق قام ويقوم به القيادي العراقي مقتدى الصدر وتصريحاته التي يعبر فيها عن خلافه مع القيادة الإيرانية وإصداره بيانات تدعو إلى التقارب مع كل من مصر والسعودية والأردن.

ومن هنا يمكن فهم وإدراك بعض ملامح التحرك الأميركي الأخير في المنطقة وطبيعة الأحلاف التي ستنشأ في ضوء زيارة الرئيس الأميركي إلى إسرائيل وإنتقاله جوا ومباشرة إلى المملكة السعودية ليشارك في ساسلة إجتماعات قمة شملت الرئيس المصري وقادة السعودية والأردن والإمارات العربية وصدور بيانات تضمنت نقاطا اساسية وجوهرية حول مستقبل الأوضاع في لبنان، كل ذلك يستدعي متابعة دقيقة للأحداث في المنطقة لرصد التحركات التي قد تنشا وتستهدف من هذا الطرف أو ذاك إحداث تغييرات أو مفاعيل للإتفاقات التي عُقدت مؤخرا.

شاركها.