شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

هل هناك نهجٌ جديد في التفتيش يقوم على إهانة الأستاذ وترهيب الطلاب في الامتحانات الرسمية؟

إجراءات بوليسية مفرطة وعدم اكتراث بتداعياتها على التلامذة وموقع الأساتذة

ما فائدة هذه الإجراءات على العملية التربوية ولصالح مَن هذا النمط الأمني في المراقبة؟

أين العدالة في عدم ردم الهوّة بين تلامذة التعليم الرسمي وتلامذة التعليم الخاص؟

هذا كتاب مفتوح إلى معالي وزير التربية والتعليم العالي الدكتور عباس الحلبي، جمعنا فيه ما وردنا من ملاحظات وشكاوى حول مجريات الامتحانات الرسمية، من الأساتذة والطلاب والأهالي، نأمل الاطلاع عليه وأخذ ما ورد فيه بعين الاعتبار، وتوضيح ما كان غير صحيح وقد جال على ألسنة الناس وأصبح راسخاً في أذهانهم.

كتبه أحمد الأيوبي

التلاميذ والأساتذة في امتحانات الشهادة الرسمية مجرمون ومشتبه فيهم حتى تثبت براءتهم.

هكذا كان الحال في الامتحانات الوطنية هذا العام.



يَحُثُّ النظامُ التعليمي الحديث على كل ما يصبُّ في مصلحة التلميذ ويراعي حقوقه المعنوية والنفسية، وتصل المراعاة أحيانا لتكون على حساب أعصاب المعلم والإداريين.

هكذا عرفنا التربية طيلة عقود.
ولعلّ مهنة التعليم تكون المهنة الوحيدة البعيدة عن الشبهات سواءً من حيث انتفاء الرشاوى لانتفاء توفر خدمات قابلة لعرض الرشى أساساً.. أو من ناحية انتظام الدوام، فالأستاذ ملزم بجرس الحصص كالتلامذة تماماً.. ورغم ذلك فهو يُحاسَب على التأخر بالدقائق ولكن لا يتم تكريم التزامه أبداً!

ويحين وقت الاستحقاق الوطني:”الشهادة الرسمية”. ويكلَّف الأستاذ بالمراقبة “طوعياً” أو “إجبارياً” ليراقب التلامذة الذين واكبهم وتقبّلهم ورعاهم، في إطار مراعاة الأنظمة الحديثة في التعليم، ليتحول هو والتلميذ الى مجرمين مشبوهين.
نعم.. مجرمين في ظلّ الإجراءات المستجدة للتفتيش التربوي.



إجراءات أمنية قاسية بحق التلاميذ ولامبالاة بالظروف القاهرة

فالتلميذ يـُفرض عليه الحضورُ إلى مركز الامتحانات قبل الساعة السابعة والنصف لينتظر هو وأهله أحياناً في الشارع أمام باب المركز المقفل لوقتٍ لا يُستهان به دون مراعاة حالة التوتر التي يمر بها.

وفي هذا العام، كان المطر عنصراً إضافياً للانتظار المبكِّر غير المفهوم، والغريب أنّ القرار كان بإبقاء الطلاب تحت الأمطار ولم يفكِّر أحد من جهابذة التربية والتعليم باتخاذ إجراء يتلاءم مع واقع تعرّض أبنائنا للمطر الغزير وضرورة إدخالهم بشكل فوريّ إلى أماكن مسقوفة على الأقلّ، مما يعكس جموداً إدراياً غير مفهوم..
وعند فتح البوابة يجد نفسه أمام إجرءات بوليسية يمارسها عناصر قوى الأمن فيخضع لتفتيشٍ دقيق لا يليق بسنّه ولا بصفته تلميذاً.

هذا من دون أن ننسى غياب الكهرباء عن كثير من المدارس وتأثير هذه العوامل على تلامذة يشاركون للمرة الأولى في امتحانات يراها أهليهم مصيرية ويضعون كلّ انتظاراتهم عليها، مما يوجب إحاطة مختلفة عما كان قائماً.

الكاميرات “الذكية”:

أيّ دور وعلى من؟


وفي الصفوف، جرى تركيب كاميرات ذكية ترصد تحركات التلميذ ورمشة عينه. وتعبير “ذكية” لأن مراقب الكاميرات قادر على تكبير الصورة لرؤية تفاصيل دقيقة جداً، وهو أمر مشروع لضبط الغش..
لكن أين مراعاة الحالة النفسية للتلميذ في هذا الجو؟ وما لا يعلمه الكثيرون أنه ممنوع على الأستاذ المراقب الاقتراب من التلاميذ أو التحدث معهم لأيّ سبب. علماً أنّ بعض كلمات التفهّم والتشجيع يحتاجها أغلب التلاميذ للتغلب على حالة التوتر التي تعتريهم، خاصة تلاميذ الشهادة المتوسطة، فلما يعاملون على أنّهم “مشاريع غش”؟
من الانتهاكات بحقّ التلاميذ على سبيل المثال لا الحصر: أحد التلاميذ سأل عن الوقت لأنه لا يحمل ساعة بيده…فانهال عليه الصراخ والتحذير والترهيب، وطار رئيس المركز يسابق الريح بعدما شاهده على الكاميرا ليصل الى غرفة التلميذ ويشبعه توبيخاً وصراخاً!
هل يستحق الأمرُ كلّ هذه القسوة؟! وهل يتم الأخذ بعين الاعتبار الحالة النفسية التي أكمل بها هذا التلميذ الامتحان؟ ولم هذه المبالغة غير المبرّرة وغير المفهومة؟!

معاناة الأساتذة:

الكاميرات عليهم أيضاً


على الصعيد الآخر هناك الأستاذ المراقب الذي يكتشف أنّ الكاميرات موجودة لمراقبته أيضاً.

من الطبيعي أن يكون الهاتف الخليوي ممنوعاً في قاعات الامتحانات لمنع تسريب المسابقات، لكن ما الحكمة من منع الأساتذة من الاطلاع على هواتفهم في فترة الاستراحة وهي ليست بحوزتهم أثناء المراقبة؟

الأكل ممنوع (مسموح للتلامذة فقط)، علماً أنّ دوام الأستاذ المراقب يبدأ منذ الساعة السابعة حتى انتهاء الامتحان الذي يمتد أحياناً حتى الساعة الثانية بعد الظهر، وكذلك فإنّ الشاي والقهوة ممنوعان، فما هي الحكمة من هذا المنع، وهل يمكن للإنسان أن يعمل ٧ ساعات متواصلة وتـُحدَّد له شروط خلال استراحته التي لا تتعدى ربع الساعة؟! وهل هذا نظام أم حفلة تعذيب جماعي؟

من عجائب إجراءات هذا العام أنّه مطلوب من الأستاذ المراقب التنبّؤ بما يخفي التلميذ معه أو بين أوراقه رغم أنّه ممنوع من الاقتراب من طاولات التلامذة، فكيف يمكن أن يفعل ذلك؟

تحوّلٌ مقلق في إدارة الامتحانات


في الامتحانات الرسمية الأخير، حصل تحوّل مقلق في إدارة الامتحانات، وكأنّ تعليماتٍ جديدة انبثقت هدفـُها تحقيرُ الأستاذ وترهيب التلميذ، بل وضرب العملية التربوية برمّتها، من قبل جهاز التفتيش التربوي المسؤول عن مراقبة مراكز الامتحانات، من ذلك:
ــ  تفتيشٌ للأساتذة أقل ما يقال عنه أنّه غير لائق بمركزهم.
ــ منعُ شرب القهوة خلال فترة الاستراحة بين المسابقة والأخرى، وهي سابقة في تاريخ المراقبة!
ــ دخول المفتش إلى غرفة الامتحانات وتوجيه الملاحظات، التي كانت حادّة في بعض الأحيان، للأساتذة أمام التلامذة، وهو تصرُّفٌ غير لائق، إضافةً إلى أنّ النظام يمنع نهائياً الكلام داخل غرف الامتحانات لعدم تشتيت ذهن التلميذ.
ــ ومن إبداعات بعض المفتّشين الجُدد نزعتهم للسيطرة التحكّم في غير الموقع المطلوب، ومن ذلك مثلاً الطلب من المرشدين الصحيين في بعض المراكز البقاء طيلة وقت الامتحانات عند باب المركز المعيّن فيه، لأن بعض المفتشين يتأخرون في القدوم إلى هذا المركز أو ذاك، بينما يكون المراقب قد قام بواجبه في فحص التلامذة والأساتذة والمفتشين الذين يتواجدون ساعة الدخول.

حال هؤلاء أنّهم يستلذون بما أوتوا من “سلطة” فجاءت تصرفاتهم مؤسفة ولا تتناسب مع روحية ما جاؤوا لأجله وهو تأمين العدالة والفرص المتساوية والسلامة العامة في الامتحانات.

روح التربية والتعليم

أخيراً، هل لاحظ المعنيون بعملية المراقبة في وزارة التربية أنّ القانون لا يطبّق بالنسبة نفسها على جميع الأراضي اللبنانية، وهذا ما شاهده اللبنانيون جهاراً نهاراً ولا يمكن تجاهل هذا الخرق الفاضح للمساواة وتطبيق الإجراءات بشكل موحد على الجميع.

لكي تكون هناك عدالة يجب أن تسود روح العدالة، وروح التربية، وليس الإجراءات الجامدة القاصرة عن بلوغ الغاية المرتجاة من الامتحانات، فالكثير من التلامذة قضوا أيامهم في الاستعداد والدراسة، لكنّ إدخالهم “معتقل” الامتحانات أصاب الكثيرين منهم بنكسات، وبشكل خاص أبناء المدرسة الرسمية، الذين عانوا من التعطيل والغياب لأسباب كثيرة، منها وباء كورونا ومنها الإضرابات المطلبية للمعلمين، فنشأت هوّة واسعة بينهم وبين تلامذة المدارس الخاصة، كان يجب مراعاتها حتى في وضع الأسئلة والتنظيم العام للامتحانات.


هذا غيض من فيض، والتساؤل يطرح نفسه: هل يعاقب الأستاذ على اختيار مهنة مُشَرِّفة من المفترض أن تحفظ مكانته وكرامته بهذه الممارسات التي لا تمتُّ إلى الأخلاق التربوية بصلة، وما يخشاه التربويون أن يكون ما حصل قد تحوّل إلى نهج لدى التفتيش التربوي، وليس خطأ عابراً، فإذا كان سياسة عامة جديدة متبعة من هذه الإدارة فعلى التربية والتعليم السلام، وأقيموا عليها مأتماً وعويلاً..

وتفضلوا لقبول فائق الاحترام والتقدير

شاركها.