شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

كتب أحمد الأيوبي

ما جرى من اعتداء على مركز الجيش في الجيش وطعن عسكري دفع إلى إطلاق النار على المعتدي مما أدى إلى وفاته على الفور، أمر شديد الخطورة، ولا يجب أن يمرّ من دون التوقف عنده من دون مداراة ولا لفٍّ ولا دوران، لأنّه يمثل خرقاً غير قابل للتفهّم ولا للتبرير، رغم أنّ البعض أوجد العذر للمعتدي بأنّه يعاني من اضطرابات نفسية، وهو أمر نفهمه بالنسبة لذويه لكنه لا يكفي للتقييم الموضوعي لهذا الاعتداء.

ليس المقصود هنا زيادة الأسى على عائلات الضحايا، لكن يجب الوقوف عند حقيقة ما جرى وأسبابه الحقيقية.

على افتراض صحة ما قيل عن الحالة النفسية للمواطن (ن.د)، وأنّه تأثر بعدم انتشال شقيقته وأولادها من عمق البحر في مركب الموت.. فإنّ هذا يؤدّي إلى السؤال: لماذا قرّر (ن.د) أن يهاجم عسكرياً ويطعنه بدل أن يهاجم سياسياً حاكماً ومتحكِّماً ومسؤولاً عن كلّ مآسينا.. من الذي وضع في قرارة نفسه أنّ العسكري هو المسؤول عن إغراق أهله، رغم كلّ التجاوب الذي أبدته قيادة الجيش، واحتجاز الضباط والجنود الذين كانوا على متن القطعتين البحريتين اللتين كانتا ليلة الغرق المشؤومة.

لم تترك قيادة الجيش جهداً في إنقاذ الضحايا وفي محاولة انتشال جثامينهم إلاّ وبذلته، وفتحت أبوابها أمام الجميع للتعاون في هذا المجال. فكانت مبادرة النائب أشرف ريفي بالتعاون مع مغتربي أوستراليا، ولا تزال مساعي قائد الجيش العماد جوزاف عون متواصلة لحلّ هذه المشكلة، مع التخلي الواضح من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وسائر أركان السلطة، وكأنّ ما جرى لا يعنيهم.

إنّ التحريض المستمرّ على الجيش بين أهالي الضحايا هو أحد أسوأ الأساليب التي يجري استخدامها، وهو المسؤول عن تهوّر (ن.د) واندفاعه غير الواعي ربما، لارتكاب هذا الاعتداء، وهو فعل غير معتاد في سياق العلاقة بين الجيش وأهل طرابلس وعموم الشمال.

يجب وقف التحريض على الجيش في هذا الملف، والكفّ عن رمي المسؤوليات يمينة ويسرة، وعلى بعض أهالي الضحايا الاعتراف أيضاً بوجود مسؤولية عليهم بقبول وضع أبنائهم وزوجاتهم في قلب الخطر، وهم مدركون لحجم المخاطرة التي يقدمون عليها..

هذه الحقيقة يجب أن تُقال، ليكون تحديد المسؤوليات منصفاً، وهو في الحقيقة على النحو الآتي:

ــ المسؤولية الأكبر: هي مسؤولية السلطة السياسية وتحديداً من تولوا تمثيل طرابلس في السلطتين التنفذية والتشريعية، ممن أوصلوا طرابلس ومناطقنا السنية إلى قعر الفقر والحرمان، وخاصة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي لم يُبدِ أي اهتمام جدي بهذه القضية.

ــ مسؤولية منظمي رحلة الموت، الذين اختاروا مركباً متداعياً لا يصلح لرحلة هجرة من هذا النوع، كما أنّهم لم يزوّدوا الركاب الضحايا بأدنى عناصر الأمان.

والإشكالية هنا أنّ المنظمين هم أنفسهم الضحايا، وهم أنفسهم الذين خاطروا بوضع عائلاتهم على مركب يعلمون أنّه يحتمل أن يغرق، كما حصل مع غيره، ومتجاهلين أنّهم إذا لم يغرق المركب، يُحتمل أن يبقوا في البحر أياماً يفقدون فيها الطعام والمياه، فيتوفى الأطفال بين أيديهم كما اختبر آخرون من أبناء الفيحاء هذه المأساة قبل وقت ليس بالطويل!

لا نقول هذا الكلام للتهجم على الأهالي، بل لمساعدتهم على إدراك جميع أبعاد القضية، التي لا يمكن حلّها برمي كلّ المسؤوليات على الجيش، وبالتحريض عليه، وباستعمال المظاهر المسلحة ضدّ عناصره ومراكزه، كما حصل يوم السبت بعد وفاة المرحوم (ن.د).

ــ المسؤولية التي يكشفها التحقيق لضباط وعناصر الجيش في الحادث ليلة غرق المركب، وهي مسؤولية لا يمكن تجاهلها، ولكن لا يجب شطب بقية عناصر المسؤولية وحصرها بالجيش.

رحم الله الضحايا وأسأل الله تعالى لذويهم بلسمة الجراح والصبر والسلوان في مصاب عظيم.. ونسأله تعالى الشفاء العاجل للعسكريّ الجريح، وندعو مجدّداً إلى وقف التحريض على الجيش، الذي فتح قائده العماد جوزاف عون قلبه قبل مكتبه للأهالي، ولا تتأخر قيادة الشمال عن التعاون والاحتواء والاحتضان للأهالي، فكلّ تصعيد ضدّ الجيش هو انتحار شخصي ووطني، ولا تـُحَصَّل الحقوق باعتماد الأساليب الخاطئة، بل بالركون إلى الحق وفتح العيون على الحقيقة.

شاركها.