لا نهوض سنياً باستمرار هيمنة الحريري المتحالف مع الثنائي المذهبي

أحمد الأيوبي
لا يمكن خوض نصف معركة وانتظار الفوز بالنتائج. ولا يمكن انتظار نهوض أهل السنة إذا لم تُستكمل عمليات التحرّر الفردي والمؤسساتية من سيطرة الرئيس سعد الحريري ومن بقي معه في تيار المستقبل، لأنّه لن يوقف محاولاته لفرض الهيمنة على المجتمع السني بجميع الوسائل المشروعة وغير المشروعة، يعاونه كلّ من له مصلحة في بقائنا بحالة العجز والشلل والخروج من المعادلة الوطنية والعربية.
الحريري يواصل حروب الإلغاء
هذه هي خلاصة الصراع الدائر الآن في الساحة السنية، بأشكالٍ مختلفة، منها الظاهر من خلال التنافس الانتخابي في المؤسسات الكبرى، ومنها حروب إلغاء إعلامية يخوضها فريق الرئيس سعد الحريري ضدّ كلّ من تجاسر على رفض القبول باستمرار هيمنته على القرار السني وكلّ من قرّر التصدّي لتحكُّم هذا الفريق بمصائر أهل السنة، وكان آخر فصول القرارات الانتحارية الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات النيابية.
ما حصل فعلياً هو أنّ الرئيس فؤاد السنيورة واللواء أشرف ريفي وشخصيات سنية على امتداد الوطن، قرّروا الدخول في المواجهة ليس لخوض الانتخابات فقط، بل للتصدّي لهذا المسار الطويل الذي رافق سعد الحريري من التنازلات والفشل وسوء الإدارة والتخلّي عن المسؤولية.
لقد أفسد الحريري حضور أهل السنة في الدولة، بفرض العناصر الفاسدة والتافهة وإبعاد القيادات الصالحة واضطهادها (نموذج عبد المنعم يوسف ليس وحيداً)، وهذا يجعلنا نتساءل: كيف كان أحمد الحريري هو من يتدخل لاختيار القضاة والضباط والمدراء العامين، ووفق أيّ معيار كان يجري ملء المفاصل في الدولة؟
أخطاء في التقدير
أصبح واضحاً الآن أنّ الذين اختاروا مواجهة الحريري أخطأوا في تقدير بعض المسائل الهامة والتي ظهرت تداعياتها في الانتخابات النيابية وستظهر أكثر إذا لم تعالج وتُحسم في المرحلة المقبلة.
أخطر هذه المسائل المهادنة المعلنة أو المضمرة لسعد الحريري وأحمد الحريري وفريقهما الذي عاث الفساد ونشر الموبقات السياسية والاجتماعية، فالمواجهة لم ولن تنتهي بانتهاء الانتخابات، بل إنّها ستكون أكثر ضراوة وقساوة في المرحلة المقبلة، لأنّ الحريري سيحارب كلّ محاولات النهوض وابتكار الحلول وتظهير البدائل، وسيعمل على وأدها في مهدها، ولن يسمح لها بالولادة إن استطاع إلى ذلك سبيلاً، لأنّ كلّ تقدّم لهذه البدائل يعني تراجعاً له في المجالات السياسية والاجتماعية والدينية.
انتهى زمن المهادنة
لقد هادن الرئيس السنيورة والدكتور مصطفى علوش وغيرهما ممن قرّر المواجهة، الرئيس سعد الحريري، نظراً لاعتبارات عدة، منها المبدأي (الوفاء للشهيد رفيق الحريري)، ومنها الواقعي، مثل الاعتقاد بأنّ هذه المهادنة يمكن أن تُليِّن موقف سعد أو أن تخفِّف من وقع الحملات المضادة التي يطلقها الذباب الأزرق على المعارضين السياديين لقراره بالمقاطعة.
كانت النتيجة أنّ الحريري اختار مجموعة من المرشحين ودعمهم متجنباً تبعات المشاركة والمحاسبة أمام الرأي العام، بينما شنّ الحرب الشعواء على السنيورة والسياديين السنة.
هكذا هي المعادلة مع الحريري: إما أن يقضي على السياديين السنة وإما أن ينجحوا في ملء الفراغ وتحرير أهل السنة من لعنة سعد الحريري.
لن يغفر سعد الحريري للرئيس السنيورة ولأي سنّي سيادي خروجه عن قراره، وسيواصل حربه علينا حتى تصفيتنا سياسياً، وإزاحتنا كلياً من الحياة العامة، لذلك، فإنّ من يفكّر بالمهادنة يضع نفسه في موضع تسهيل الخسارة والاستهداف، ويهدِّد بتضييع ما أنجزه في المواجهة حتى الآن.
مؤشرات التحرّر من الصنمية السياسية
لقد بدأت مؤشِّرات التحرّر من وهم الحريري في الظهور، وخرجت أولى بشائرها من صيدا، معقل ومنطقة نفوذ وسيطرة السيدة “أم نادر” التي تلقّت هزيمة نكراء في عقر دارها، حملت رسائل كثيرة وهامة، خلاصتها أنّ الأصنام السياسية للحريري بدأت تسقط بأيدي النخب السنية الواعدة.
وقعت المنازلة الفاصلة في انتخابات جمعية المقاصد الإسلامية في صيدا حيث خسرت السيدة بهية الحريري لأول مرة منذ العام 1990، وهي الجمعية ذات الحضور العريق والرمزية الاجتماعية المستمرة.
انتهت الانتخابات بفوز اللائحة المدعومة من النائب عبد الرحمن البزري، وهزيمة اللائحة المدعومة من الحريري، في مسارٍ بدأ يشقّ طريقه لإسقاط آحادية من يمكن تسميتهم اصطلاحاً بـ”السعديين” للتمييز بينهم وبين الجمهور الواسع المحبّ للرئيس الشهيد رفيق الحريري.
وإذا كانت صيدا معقل الحريرية السياسية قد خلعت سيطرة النائب الحريري عليها، من خلال واحدة من أهمّ وأعرق المؤسسات السنية، فإنّ هذا الاتجاه سيكون هو نفسه في بقية المناطق، حيث تحوّل أداء “السعديين” إلى سعاة للوصول إلى مراكز السيطرة وإدارة المصالح بعيداً عن أولويات الخير العام.
ما جرى في صيدا هو نموذج لتحرّر المناطق السنية من هيمنة الفشل والمصالح الخاصة والتنازلات والصفقات على حساب أهل السنة وسقوط للأوهام التي كانت تتيح للسيدة بهية وأبنائها السيطرة على مقاليد الأمور في المؤسسات السنية حتى وصلت أوضاعها إلى الانهيار بسبب السياسات القاصرة والاستئثار غير المبرّر بالقرار.
بدأ اليقظة السنية
في خلاصة الموقف يمكن تقدير الوضع السني اليوم على النحو الآتي:
ــ أنّ دعوة سعد الحريري غير الحكيمة للمقاطعة، ومراهقة أحمد الحريري هما المسؤولتان عن تضعضع وتذبذب الناخب البيروتي السني، الأمر الذي مهّد الطريق لوصول دعاة الشذوذ إلى مجلس النواب، لكنها في المقابل، ورغم هذه الفاجعة حرّرت الناخب البيروتي من عقد سعد وأتباعه.
ــ موقف النائبة بهية الحريري المتعجرف من انتخابات المقاصد- صيدا ، حرر الناخب الصيداوي من تسلط “الست ام نادر “، رغم أنّها تـُحمِّل سعداً بشكل مباشر هذه النتيجة.
ــ لا يمكن اعتبار أنّ المواجهة توقفت، بل إنّ أم نادر ونجلها أحمد ومن بقي معهما سيسعون إلى إفشال كل جهد بنّاء للنهوض في المجتمع السنّي، وسيصبّون كلّ جهودهم لمنع إصلاح المؤسسات، من دار الفتوى فالمقاصد وليس انتهاءً بشرذمة الوضع النيابي وتمزيق محاولات الوصول إلى أرضية تعاون مشتركة، حتى يتمكن “السعديون” من الادعاء بأنّه بدونهم لا يمكن للسنة أن يفعلوا شيئاً، وهذا عكس الواقع.
ــ استيقاظ النخب السنية من صدمة جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري رحمه الله، على فشل سعد الحريري ومنظومته الغبية الفاسدة الفاشلة التافهة ، وبدأ العمل على بناء واقع سني جديد، على أساس الثوابت الإسلامية والوطنية والعربية.
