ما زالت القوات متمسكة برفض حلف الأقليات وبمنع العهد من ابتزاز الرئيس المكلف

أحمد الأيوبي
تعرّضت القوات اللبنانية لحملة شعواء بعد موقفها من تسمية رئيسٍ للحكومة في الاستشارات النيابية الملزمة وامتناعها عن تسمية أحدٍ من الأسماء المتداولة، وبدا واضحاً أنّ هذا الاعتراض منظّم وتقف وراءه جهات سياسية، أبرزها تيار المستقبل الذي شارك قضاة في المحاكم الشرعية ومشايخ محسوبون عليه في الحملة، إضافة الذباب الأزرق، حتى كادوا يزعمون أنّ القوات تقف ضدّ رئاسة الحكومة وضدّ أهل السنة، متجاهلين حقائق تؤكدها مسيرة التحالف الطويل بين المستقبل والقوات، خلاصتها أنّ الغالب الأعمّ في مواقف القوات، كان دعم الرئيس سعد الحريري، وأنّ الاستتثناء كان عدم التسمية.
مخاطر التسمية بدون الثوابت
الملاحظ أنّ البعض أراد من القوات أن تسمّي نواف سلام رئيساً للحكومة بشكلٍ تلقائيّ وبدون تمحيص ولا حوار ولا نقاش. متجاهلين أنّ نوابها سبق أن سمَّوا سلام في استشاراتٍ سابقة، لكنّه لم يبادر لأيِّ شكلٍ من أشكال التواصل، كما أنّه لم يقدّم رؤية فعلية توحي بالثقة فيما يتعلق بالقضايا الأساسية وخاصة سلاح “حزب الله”، ويصبح هذا الموقف أكثر من ضروري بعد الخديعة التي نجح فيها بعض “نواب التغيير” الذين التحق بعضهم بمدرسة الرئيس نبيه بري (نجاة صليبا) وبعضهم الآخر بكلية بشار الأسد للعيون (الياس جرادة).
لا يمكن التهاون بضرورة التدقيق في من يرشحهم النواب للرئاسة، بعد أن تعرّضت أصوات اللبنانيين للسرقة والاحتيال في الانتخابات النيابية، كما ظهرت الصورة في السياسة وفي الشؤون الأخلاقية، مع بروز نواب يدعون جهاراً نهاراً إلى الشذوذ الجنسي..
القوات داومت التسمية والاستثناء محدود
المدقِّق والمنصف لما حصل لا بدّ له أن يلاحظ أنّ القوات اللبنانية سبق أن كلّفت الرئيس فؤاد السنيورة لمرتين متتاليتين، وكلَّفت الرئيس سعد الحريري لأربع مرات، عندما كانت المواقف السياسية واضحة وبائنة، وعندما كانت حدود الصراع مرسمة وواضحة. أما عندما تفترق التحالفات ويحصل الانحياز من الحريري إلى صديقه جبران، ويصبح المرشح الأول للثنائي المذهبي، فإنّ تسميته في حالة عدم الاتعاظ من المشاركة في حكومات “حزب الله”، وهذا يعني أنّ الأصل في هذا الأمر هي التسمية، فمن أصل 11 دعوة لاستشارات تكليف منذ العام 2005 سمّت 8 مرات من أصل 11، وهذا هو المسار الذي حاولت الحملات الإعلامية الزرقاء والصفراء مسحه من الذاكرة، لكنّ الوقائع لا تمحوها الافتراءات.
منع الضغوط على رئيس الحكومة
من عوامل وموجبات عدم التسمية في هذا الاستحقاق تحديداً، أنّ رئيس الجمهورية الموجود سيبقى يمارس الضغط السياسي طالما هو موجود في قصر بعبدا، ومن ورائه صهره جبران باسيل، على صاحب موقع رئاسة الحكومة ليحصل منه على توقيعه، مقابل ضمان استمرارية باسيل وتياره بعد انتهاء العهد.
لذلك، فإنّ عدم التسمية الآن، كانت قطعاً للطريق على هذه اللعبة المكشوفة التي اكتوى بها كلّ الرؤساء المكلفين تشكيل الحكومات في هذا العهد.
أي دور لحكومة آخر العهد؟
السؤال الأهم: عن أيّ حكومة نتحدث، وبعد ثلاثة أشهر تنتهي ولاية رئيس الجمهورية وتصبح الحكومة مستقيلة حكماً، ونعود إلى استحقاق تشكيل الحكومة من جديد، ولماذا يعطي النواب عون حكومة في آخر عهده، ستخضع لكلّ أنواع الضغوط لتمرير ملفات التعيينات والمشاريع التي يفترض أن يقرّرها رئيس وحكومة آتيان من رحم الانتخابات النيابية والرئاسية الجديدة؟!
قطعت القوات اللبنانية بموقفها هذا، الطريق على أي تواطؤ أو صففقة أو تفاهم، بين جبران باسيل وأي رئيس حكومة، يفرض فيها شروطه ويكتسب فيها المزيد من المواقع والنفوذ داخل الدولة.
وهذه مسألة في غاية الأهمية، لأنّ آخر أيام العهد ستشهد، بدون شك، محاولات مستميتة لتحصيل أكبر قدر من الشروط والحصص، وموقف القوات أوقف هذا المنحى بشكلٍ واضح.
استهداف تحالف القوات مع أهل السنة
السياق الأخطر في هذا الاستهداف الذي أداره تيار المستقبل بشكل مكشوف، مدعوماً من روافد الممانعة، هو التركيز على نشر الكراهية في أوساط السنة ضدّ الحزب المسيحي الأول في تحالفه مع أهل السنة في لبنان، الرافض لتحالف الأقليات والمتمسك بالانتماء العربي للبنان والمواجِه للمشروع الإيراني في البلد. وهنا يجب الوقوف عند هذه النقطة تحديداً: هل يجوز طمس وشطب تاريخ النضال المشترك بين القوات اللبنانية وأهل السنة بسبب اختيارها عدم الانخراط في صفقات حكومة آخر العهد؟
