أيمن المصري
كثر الحديث في الآونة الأخيرة، إثر طرح قضايا اجتماعية خلافيّة، عن دور #رجالالدين والمؤسسات الدينية الرسمية في المجتمعات، من زاوية رفض تدخلها في الشأن العام، والسعي لاختزال دور رجل الدين في زوايا المسجد أو المعبد.. وهنا أتحدث بالمطلق، عن رجل الدين، مسلماً كان أو مسيحياً، والمؤسسة الدينية بالمطلق، #دارالفتوى أو #الكنيسة.
دعونا ننطلق ابتداءً من ثوابت أساسيّة نتفق عليها:
- كل مجتمع يضمّ فئات متخصّصة تعمل في الشأن العام، يخوّلها اختصاصها في مجالها أن تكون هي الراعية لشؤون هذا المجال، فالطبيب والمؤسسات الطبيّة – على سبيل المثال – تتحمّل مسؤوليّة السلامة الصحية العامة لأفراد المجتمع، وواجب عليها التحذير من مخاطر الأوبئة على المجتمع، وهنا نتعاطى نحن المواطنين مع تلك الجهات المختصة بمنطق الثقة، ونلتزم توجيهاتها ونخضع لتحذيراتها، كما حصل في جائحة #كورونا الأخيرة. والأمر ينسحب على المهندس والقانوني وغيرهم. ومن هذا المنطلق نقول: إنّ المؤسسات الدينية ورجال الدين هي فئة متخصصة في المجتمع، تلعب أدواراً أساسيّة في التربية وتهذيب النفس وحفظ المجتمع من الرذيلة، وتحسين العلاقة مع الله عزّ وجلّ، وصولاً إلى نيل مرضاته، وذلك من خلال وسائل عديدة وكثيرة، يدركها جميعنا. هذه من أهم أدوار رجال الدين والمربين والمؤسسات الدينية. وإذا لم يفعلوا، يكونوا مقصرين في واجباتهم. علينا أن نمنحهم الاعتراف بهذا الدور، بل الواجب، ومحاسبتهم لو قصّروا.
- رجال الدين ليسوا أنبياء معصومين، هم بشر يصيبون ويخطئون. لا عصمة لرجل دين، وبالتالي نعم قد يقع رجل دين هنا أو هناك في ارتكاب أفعال مسيئة أو مشينة، فيحاسبه القضاء أو مؤسسته الدينيّة. نعم هذا يحصل، لكن دعونا نقول أولاً إنه من الخطأ التعميم، وثانياً لو وقع طبيب أو عشرة أطباء في خطأ ما، فهل هذا يجعلنا نرفض مهنة الطب وندعو إلى إقفال العيادات الصحيّة وإلغاء دور الأطباء؟! طبعاً لا. ولماذا لا نسمع دعوات لإقفال #المحاكم_المدنية في لبنان؟ مع أنّ فسادها أكبر بكثير، ولا نسمع عن إسقاط دور القضاة، مع أنّ فيهم فاسدين.
- أمام الانهيار الكبير الذي يعيشه بلدنا لبنان في مختلف الصعد، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والخدماتي… وهذا ما لا قدرة لنا على تغييره وإصلاحه، فهل من المنطق أن نقوم نحن الرافضين للفساد الشامل والمكتوين بناره، أن نقوم بإكمال هدم مجتمعنا، من خلال طروحات إلغاء دور المؤسسات الدينية على رغم عيوبها، ودور المربين ورجال الدين على بعض تجاوزاتهم!! فماذا يتبقى لنا نحن الآباء والأمهات كي نحافظ على بيوتنا وأبنائنا؟ إنّ من حق أيّ إنسان أن يمتنع عن الزواج إذا لم يكن مقتنعاً به، لكن ليس من حقه السعي لهدم أهم ركن في المجتمع وهو الأسرة.. وهنا، هل تقف المؤسسات الدينية والاجتماعية والتربوية متفرجة على هذا المسار المؤذي، دون القيام بأيّ دور يدافع عن الأخلاق والقيم التي تحكم المجتمع؟! ليس طبيعياً هذا.
- ومما يستغرب له حين تسمع مصطلح “سطوة رجال الدين في المجتمع”. فأين هي هذه السطوة، لست أراها!! القانون لم يمنح رجال الدين أيّ سطوة، ولا المؤسسات الدينيّة سلطة مباشرة على أفراد المجتمع. فلماذا هذه المبالغة في تصوير دور المؤسسات الدينيّة، إلا أن يكون تشويهاً لها، في سبيل إلغاء دورها.
- عند كلّ طرح منافٍ للأديان أو الفطرة أو الأخلاق، من واجب المؤسسات الدينيّة ومن واجب المربّين ورجال الدين أن يتحركوا ويقوموا بدورهم الطبيعي في التوعية والتحذير من مخاطر بعض الطروحات على المجتمع، سواء عبر وسائل الإعلام أو في المحاضن التربوية أو دور العبادة.. ضمن الأطر القانونيّة، بعيداً عن أيّ دعوات للعنف أو الفرض.
- ختاماً، ومن باب الإنصاف، كي تحافظ المؤسسات الدينية، إسلامية ومسيحية، على مصداقيتها واحترام الجمهور لموقعها، عليها أن تتنزّه عن الانزلاق في الزواريب السياسية والارتهان لهذا الفريق السياسي أو ذاك الحزب أو الزعيم. وأيضاً، عليها أن تحرص على تفعيل مبدأ المحاسبة الداخليّة، فلا يتعارض دورها مع ممارستها العمليّة. وهذا الكلام ينسحب على رجال الدين أيضاً، كي لا يفقدوا موقعهم الجامع، المنزّه عن المكاسب الشخصية.
- في بلد يشهد انحلالاً أخلاقياً من قبل السياسي والتاجر والزعيم والحزب.. نتمسك بالمحاضن التربوية والمؤسسات الدينية، لقناعتنا بدورها في لجم الانهيار القيمي والأخلاقي. فالأمن الاجتماعي آخر الحصون التي نتمسك بها.
