
شارل جبور
ينتقد بعضهم عن حسن نية وبعضهم الآخر عن سوء نية عدم تسمية “القوات اللبنانية” لأي شخصية سنية في استشارات التكليف، معتبرين أنّ عدم التسمية يتراوح بين الإساءة إلى الموقع، وبين إعطاء الانطباع بأنّ هذه الطائفة تفتقد إلى النخب والكفاءات، فيما حقيقة موقف “القوات” أبعد ما يكون عن محاولات أصحاب النيات الخبيثة ضرب علاقة “القوات” بالطائفة السنية أو أي طائفة أخرى، لأنّ “القوات” تكنّ كلّ الاحترام والتقدير لجميع الطوائف من دون استثناء، وخلافها هو خلاف من طبيعة سياسية لا طائفية.
وأما لكل مَن يحاول الاصطياد في الماء العكر، فإنّ الأسباب الموجبة لموقف “القوات اللبنانية” هي كالآتي:
- أولا، اتّهام “القوات” بالإساءة لموقع الرئاسة الثالثة والنخب السنية هو اتهام باطل وساقط، لأنّ مَن لا يقيم وزنًا لهذا الموقع لا يكلِّف الرئيس فؤاد السنيورة لمرتين متتاليتين، ولا يكلِّف الرئيس سعد الحريري لأربع مرات، ما يعني أنّه عندما كان الخيار السياسي لا لبس فيه في زمن 8 و 14 آذار كانت “القوات” في صدارة المواجهة والتسمية، وعندما تبدّل المشهد فضلّت عدم التسمية.
- ثانيًا، عدم التسمية كالورقة البيضاء هو خيار دستوري، فالمواطن الذي يتكبّد مشقّة الطريق لممارسة حقّه في الانتخاب ويقترع بالورقة البيضاء هذا حقّه، ومَن يتمسّك في المشاركة بالاستشارات ويفضِّل عدم التسمية فإنّه يمارس حقّه الدستوري، وإلا كان بإمكان المشرِّع أن يُلزم الناخب والنائب بالتسمية لا بعدمها.
- ثالثًا، اتّهام “القوات” بعدم التسمية هو تحامل وحملة مبرمجة ضدّها، لأنّ القاعدة لدى “القوات” هي التسمية والاستثناء هو عدم التسمية، والدليل إنّها في موازاة تسميتها للرئيسين السنيورة والحريري سمّت الرئيس تمام سلام والسفير السابق نواف سلام، وبالتالي من أصل 11 دعوة لاستشارات تكليف منذ العام 2005 سمّت 8 مرات من أصل 11، ما يعني أنّ القاعدة هي التسمية، والاستثناءات الثلاثة مردّها إلى الآتي:
أ- فضلّت عدم تسمية أي شخصية في مواجهة تكليف الرئيس سعد الحريري الثالث في عهد الرئيس ميشال عون حرصًا على علاقتها معه، وحاولت إقناعه بالامتناع عن التكليف بعد ثورة 17 تشرين وفي عهد سيعمل المستحيل لإفشاله، وقد ثبتت صحة وجهة نظر “القوات” بدليل اعتذاره لاحقًا عن التكليف.
ب- فضلّت عدم تسمية أي شخصية في مواجهة التكليف الأوّل للرئيس نجيب ميقاتي في عهد الرئيس عون، لأنّه حظي بتأييد المستقبل ونادي رؤساء الحكومات، وعدم التسمية رسالة موجّهة إلى الرئاسة الأولى لا الثالثة ومفادها أنّه يستحيل على أي رئيس حكومة أن يحقِّق أي شيء في عهد الرئيس عون، وبالتالي هي رسالة داعمة للرئاسة الثالثة لا العكس.
ج- فضلت عدم التسمية في استشارات الأمس في رسالة مثلثة: الرسالة الأولى إلى العهد بأنّه يستحيل التعويل على أي عمل حكومي إنقاذي قبل نهاية ولاية الرئيس عون؛ الرسالة الثانية إلى السفير السابق نواف سلام بأنّ تسميته في المرة الأولى جاءت عقب عصف انفجار المرفأ وثورة تشرينية وإرادة بالتغيير، وخصوصًا أنّ صورته شكّلت مطلبًا شعبيًّا وجماهيريًّا، وأمّا بعد ثلاث سنوات فهو مُطالَبٌ بتحديد موقفه من شكل الحكومة التي يزمع تأليفها في حال تكليفه والقضايا النزاعية التي تبدأ بسلاح “ح ز ب ال له”، ولا تنتهي بإدارة الدولة، إذ لا تكفي السيرة الحسنة من دون التزام واضح بالقضايا العامة؛
الرسالة الثالثة بان التأليف تحقيقًا لهدف العهد غير مرغوب في ظلّ أولوية التركيز على الاستحقاق الرئاسي في مرحلة طبيعتها انتقالية بامتياز، وأيّ تسمية لرئيس حكومة في هذه المرحلة التي لن يصار فيها إلى تأليف ستُلزِم “القوات” بشكل أو بآخر بهذا الاسم بعد أشهر قليلة على أثر الانتخابات الرئاسية، كما أنّ “القوات” لا تحبّ الاستعراض وتسجيل المواقف، واي موقف تتخذه يجب أن يكون مؤثِّرًا وفي السياق الوطني المطلوب.
رابعًا، بعدما أظهرنا بأنّ عدم التسمية هو الاستثناء المبرّر في المرات الثلاث والتسمية لـ8 مرات، فإن المشكلة ليست في المواقع الدستورية إنما في من يتبوأها، ومشكلة “القوات” اليوم هي مع رئيس الجمهورية قبل اي موقع آخر، فيما لم تكن مواجهة “القوات” يومًا مواجهة من طبيعة طائفية او دستورية، إنما جوهرها يرتكز على مشروع سياسي عنوانه الوصول إلى الجمهورية القوية ومَن يعرقل هذا الهدف، ولا حاجة إلى التذكير بأنّ رئاسة الحكومة شكّلت رأس حربة مواجهة محور الممانعة، كما لا حاجة إلى التذكير بأنّ مواجهة هذا المحور تتطلّب وحدة موقف بين الجماعات ورأي عام عابر لهذه الجماعات، أي ما تحقّق في زمن 14 آذار، وما حققته انتخابات 15 أيار من تراجع “ح ز ب ال له” في كل البيئات اللبنانية.
مَن ينتقد “القوات” ينتقدها كذبًا وبُطلانًا وخبثًا وهدفه إضعاف الخط السيادي وخدمة الخطّ المدمِّر للبنان.
