محمد فاروق الإمام
من المؤسف أن تكون الهند يحكمها حزب عنصري متطرف مع أنها الدولة الأولى الداعية للحرية وحقوق الإنسان والحياد في العالم، الهند التي حررها غاندي من الاستعمار الإنجليزي بدعوته إلى الحب والسلام والتعايش بين كل الأمم على قدم المساواة، وسار على نهجه خلفه جواهر لال نهرو، الذي أسس مع بعض زعماء العالم في خمسينات القرن العشرين “حركة عدم الانحياز” التي تعتبر من بنات أفكاره، والتي اتخذت موقف الحياد من الحرب الباردة بين العملاقين أمريكا والاتحاد السوفيتي، ثم توالى انضمام العشرات من الدول إليها حتى وصل عدد الأعضاء في الحركة عام 2011 إلى 118 دولة، وتتطابق متطلبات العضوية في حركة عدم الانحياز مع المعتقدات الرئيسية للأمم المتحدة. وأهم المتطلبات لهذه العضوية:
1-احترام حقوق الإنسان الأساسية، وأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
2-احترام سيادة جميع الدول وسلامة أراضيها.
3-إقرار مبدأ المساواة بين جميع الأجناس، والمساواة بين جميع الدول، كبيرها وصغيرها.
4-عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى أو التعرض لها.
5-احترام حق كل دولة في الدفاع عن نفسها، بطريقة فردية أو جماعية، وفقًا لميثاق الأمم المتحدة.
6-أ-عدم استخدام أحلاف الدفاع الجماعية لتحقيق مصالح خاصة لأيّ من الدول الكبرى. ب-عدم قيام أي دولة بممارسة ضغوط على دول أخرى.
7-الامتناع عن القيام، أو التهديد بالقيام، بأي عدوان، والامتناع عن استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة.
8-الحل السلمي لجميع الصراعات الدولية، وفقًا لميثاق الأمم المتحدة.
9-تعزيز المصالح المشتركة والتعاون المتبادل.
10-احترام العدالة والالتزامات الدولية.
الهند انسلخت عن إرث غاندي وجواهر لال نهرو
ولكن الهند اليوم بفضل حزب جناتا المتطرف الحاكم، انسلخت عن القيم التي سارت عليها “هند غاندي ونهرو”، ضاربين عُرض الحائط بذلك الإرث العظيم الذي أكسب الهند احترام العالم وتعاطفه معها.
أما اليوم فتعد الهند في مقدمة الدول الداعية للتطهير العرقي وقتل المسلمين وهذا كان أمراً غريباً في الهند، مع تردد الحكومة في اتخاذ أي إجراء ضد هذه الأجندة المتطرفة، والتي تلقى دعماً وتأييداً من قبل قادة سياسيين ومسؤولين عن الأمن، لا سيما من قبل حزب “بهاراتيا جاناتا” القومي الهندوسي الحاكم والذي ينتمي إليه رئيس الوزراء ناريندرا مودي، الذي وصل إلى سدة الحكم في العام 2014 برسالة للنمو الاقتصادي، التزم بأجندة هندوسية أولاً، ليعزز الانقسامات الطائفية ويقوّي شوكة مجموعات هندوسية متشدّدة تعتبر الهند وطناً قومياً وتسعى لتقويض دعائمه العلمانية على حساب الأقلية المسلمة، التي تشكّل نحو 15 في المائة من سكان الهند (200 مليون نسمة).
اليوم بات المتطرفون الهندوس يهيمنون فعلياً على السياسة في البلاد، ليصبح الداعون للعنف ضد المسلمين يشعرون بالحماية، ووصل الخطاب العنيف إلى مرحلة جديدة خطيرة، من دعوات للاستعداد لـ”قتل مليوني مسلم”، إلى محاولة عزل المسلمين بقرار حظر ارتداء الحجاب في مدارس جنوبي البلاد، وغيرها من الاعتداءات المتكررة.
ومع انتشار الرسائل اليمينية بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتردد الحكومة في اتخاذ أي إجراء، يتخوف مراقبون من وقوع حدث فردي، كنزاع محلي، أو هجوم من قبل جماعات إرهابية متطرفة، لتنفجر موجة عنف واسعة النطاق قد يكون من الصعب احتواؤها.
النهج المتطرف العنصري تحميه السلطة في الهند
وما يزيد قلق مسلمي الهند على مصيرهم، أن هذا التوجّه العنصري ضدهم بات مكرساً داخل السلطة، بل نهجاً من المتوقع أن يسير عليه من يخلف مودي في السلطة، مع بروز اسم الراهب البوذي المعروف بتصريحاته المناهضة للمسلمين يوغي أديتياناث، الذي يقود حزب “بهاراتيا جاناتا” في أوتار براديش، أكبر ولاية هندية من حيث عدد السكان، والذي يتحوّل إلى أبرز المرشحين لخلافة رئيس الوزراء الحالي.
دعوات لقتل المسلمين في الهند
ويجد خطاب بعض الهندوس المتطرفين التحذيري من المسلمين في الهند، وبأنهم يسعون لتحويل البلاد إلى دولة مسلمة، والحديث عن أن “طالبان” و”داعش” نموذجان لما يمكن أن يحصل، ودعوة الهندوس إلى “الاستعداد للحرب”، انعكاسات واضحة المعالم على أكثر من صعيد.
وفي أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، كانت مدينة هاريدوار الواقعة شمال الهند، والتي تُعتبر إحدى الأماكن المقدسة لدى الهندوس، شاهدة على إحدى الوقائع المحرضة على المسلمين. أمام حشد كبير من الجمهور والآلاف من المشاهدين عبر الإنترنت، كان رهبان هندوس يدعون للعنف ضد الأقلية المسلمة، وروجت خطاباتهم “لقتل مليونين منهم”.
الأمن الهندي يطمئنون الرهبان العنصريين بأنهم سيكونون إلى جانبهم
وبعد أن أثارت مقاطع الفيديو الخاصة بالحدث غضباً وطنياً، حضرت الشرطة إلى المعبد الهندوسي مكتفية بتحذير الرهبان من تكرار خطاب الكراهية. منظم الحدث المعروف بخطابه العنيف، يأتي نارسينغاناند، طمأن الرهبان بأنهم “سيكونون إلى جانبنا”، في إشارة إلى الشرطة، وفق مقطع فيديو انتشر، كما قالت صحيفة “نيويورك تايمز”.
وعلى الرغم من انتشار دعوات رهبان هندوس إلى حمل السلاح، فإن مودي وكبار قادة حكومته التزموا الصمت، بل إن أعضاء صغارا من حزب مودي لطالما حضروا احتفالات دينية شهدت دعوات للعنف، وكثيراً ما نشر رهبان صوراً مع كبار القادة.
رسائل الكراهية الطائفية تملأ وسائل التواصل الاجتماعي الهندية
وتتعزز الرسائل المتطرفة والكراهية الطائفية في ظل “الموافقة الضمنية” عليها من قبل مسؤولين سياسيين وأمنيين لا يتحركون لوقفها، وفق صحيفة “نيويورك تايمز”. ونقلت عن القاضي المتقاعد في المحكمة العليا روهينتون فالي ناريمان، قوله: “لسوء الحظ، فإن المستويات العليا الأخرى في الحزب الحاكم لا تلتزم الصمت بشأن خطاب الكراهية فحسب، بل تكاد تؤيده”.
وإزاء هذا الواقع، تجد هذه الأجندة صدى لدى مجموعات مسلحة تزداد جرأة في الاعتداءات. وتقوم هذه المجموعات بضرب أشخاص متهمين بعدم احترام الأبقار التي يعتبرها بعض الهندوس مقدسة؛ كما يقومون بسحب أزواج من القطارات والمقاهي والمنازل للاشتباه في أن رجالاً مسلمين قد يغرون نساء هندوسيات، ويقتحمون تجمعات دينية للاشتباه في أن الناس يتحولون عن ديانتهم الهندوسية.
