كتب الشيخ عبد السلام الحراش
لفتني هتافة التهريج من فصائل آخر الشهر، ممَّنْ راحوا يتبارون في المديح بذكرى رحيل مفجّر الثورة الإسلامية في إيران الشيخ الخميني، فزعموا له ما ليس عند الأنبياء، وكأنّه مَلَكٌ تجلبب، وجاء من كبد السماء، فاتح عبقري ملهم.. ونحن نقف بالتالي أمام هيبة الموت، فالله يحكم بيننا، وهو الحكم العدل.. إلا أنّ مُصطلح “التفجير” رافق هذه الثورة، وهي لا تعدو كونها انقلاباً على ظُلم حاكم أراد الشعب إسقاطه..
وفي غمرة فتور الهِمَم العربية كان الخميني أذكى وأسرع في استجلاب شبابنا إلى ساحة رُفِعَتْ فيها شعارات “الموت لأميركا”، “الموت لروسيا” و”الموت لإسرائيل”، التي سارع العطاشى إلى إرواء غليلهم في زمن “الصمت العربي” و”كامب دايفيد” الصدمة الكبرى للعرب من المحيط إلى الخليج.
وما بين التفجير والموت استطاع الخميني، بعدما كفّر المُخالفين في كتابه “الطهارة”، وادّعى في كتاب “الحكومة الإسلامية” أنّ ما وصل إليه أئمّته لم يصل إليه نبيٌّ مُرسل أو مَلَكٌ مُقرّب.. حيث فجّر في المنطقة العربية ثورة ركائزها العنف، وأيقظ وحش التطرّف من سُباته العميق، وأغرى الشعوب بحكّامها، فكانت الإشادة بـ”جهيمان العتيبي” مُنتَهِكَ حُرمة الحرم المكي، بداية الطريق إلى الثورات حتى رفعوا صوره في مكاتب الحرس الثوري، فخراً بهذا الثائر المجرم..
وتبياناً لهذه الأمور، حين كان الخميني يرفع شعار “زحفاً زحفاً نحو القدس”، كان الإيرانيون يزحفون إلى مقام أبي لؤلؤة المجوسي، قاتل فاتح القدس الشهيد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، يُقيمون الليالي عنده يلعنونه مع صاحبه رضوان الله عليهما، زد على ذلك كون بن الخطاب مرّغ أنف كسرى في التراب، وراحت وزارة الإرشاد الديني على وقع “أسبوع الوحدة الإسلامية” الإيرانية، تطبع كتاباً بعنوان “فصل الخطاب في قتل بن الخطاب”..
أوقعت التقية التي اعتمدها الخميني، ومن بعده حتى الساعة، الكثيرين في فخ ثورة المستعضفين، لتخريب الأمن العربي وإشاعة الفوضى فِكراً وعقيدة وانتظاراً للمهدي، الذي سيُطيح بالعرب، ويقطع رؤوس أحفاد المرتدّين من الصحابة الكرام، ممَّنْ ادّعى الخميني “غصبهم للخلافة” من علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، ورفع علم فلسطين، الذي كان طبيعياً لولا رفع الرايات المذهبية والطائفية، التي ارتفعت في بلاد العرب لتكون أقاليم من الأمبراطوية الكبرى، تحت ستار “الوحدة الإسلامية” و”تحرير القدس”، وسرعان ما اختفت شعارات ورحلت إلى أجل مسمّى منها “الثورة الإسلامية في لبنان”.. كونه جزء من “ولاية الفقيه”، وهذا معلوم بالصوت والصورة للشيخ حسن..
إذن، كلما بدأنا نسلّط الضوء على الحقيقة الصادمة يقولون ليس الوقت مناسباً، و”ما تُريده أنت نحن نريده”.. نقول لهم: نحن أهل الرباط في بلاد الشام، وما نسينا القدس، لكن استطاع غيرنا على حين غفلة من العرب، ألا يخفي رغبته في السير إلى فلسطين عبر العراق، ومن كربلاء، وقد نجح مع الأميركي في تحقيق المبتغى، وبمساعدة العراقيين “الرغّاليين” تحوّل العراق إلى الفوضى والطائفية وفضائيات مدفوعة الأجر لتخريب كل بنيان مادي ومعنوي في هذا البلد الشقيق..
وفي الطريق إلى فلسطين، كان لا بُدَّ للإيرانيين من أنْ يتموضعوا في حلب، ومنها إلى قلب دمشق، مدفوعين بثارات مكبوتةٍ تحت غطاء “فيلق القدس”، فلقوا فيه وحدة السوريين، وشلّعوا أبوابها أمام الأحقاد التي لم يعرفها السوريون من قبل.. وفي بداية ما يُسمّى بـ”الثورة السورية”، برزت المطابقة في الشعارين الإيراني والسوري، وكيف عملت المخابرات الإيرانية على تشجيع “الإخوان المسلمين” للإسراع بحراك السوريين ضد دولتهم، ثم انقلاب “حركة حماس” على القيادة السورية، التي احتضنتها مع الفصائل، ضمانة الوصول إلى القدس، إذ لم يتغيّر الدعم للانقلابيين في داخل فلسطين وخارجها.
وأخيراً، وبعد سنوات العمر على رحيل الخميني، سنذكر له أنّه كان بارعاً في الاستثمار على حساب فلسطين، وشعارات الوحدة الإسلامية، والتقريب بين المذاهب، إلا أنّ ما أكدته مؤلّفاته يُعدُّ تخريباً واضحاً لبنيان الأمة، التي لن تبقى أسيرة “مُعمّمي التقية” الدينية والسياسية، ولولا بعض الجوعى والمُهمّشين، الذين أضفى عليهم الدولار الهيبة والاهتمام لما رأيت “العبيدية” تطل برأسها من جديد تخريفاً وتخريباً، لكن باعتقادنا السعي الإيراني إلى مصر وأرض الحرمين وقلب دمشق قد يتحقّق طالما أنّ في الأمة “مساطيل” استطاع الخميني أنْ يُصدّر شعاراته إليهم، ويؤسّس تجمّعات علمائية، ويُقيم مؤتمرات للوحدة، لا تعدو كونها للدعاية السياسية.
كُنتُ من السبّاقين إلى استشعار هذه الأحلام في الشام “فخر العرب”، فمتى يستيقظ العرب ويُجيدون السير إلى شقيقتهم قلعة عروبتهم، وبوّابة الدخول العمرية إلى فلسطين أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.. وسيقول قائل: أين أنتم من “داعش”؟.. نردُّ قائلين: لقد واجهنا فكرها في الفضاء، وعلى الأرض، وتركنا لأصحاب الأرض مقارعتها، ولم نعلم أيضاً أنْ “داعش” سيكون لها موطئ قدم في الشام، وقتال أهلها بطريقة “شر أهل الأرض”، إلا أنّ الله سبحانه لا يرضى، وقد تكفّل بالشام وأهلها، ولن يظهر منافقوها على مؤمنيها.
غداً سيجف “بترو- دولارهم”، ويأخذ الراية رجال يُحبّون الله ورسوله ويحبّهم الله ورسوله”.. هم في الشام المباركة أقطاب وأبدال.. هم أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وأبناء خالد وسعد وصلاح الدين، ونتاج القادسية واليرموك وحطين.. لن ينتظروا “البكّائين” عند عتبات أبي لؤلؤة المجوسي، ليدخلوا وراءهم إلى القدس، فقد آن الأوان أنْ تسقط الأقنعة عن الوجوه، التي ما زال أصحابها يتعاطون مع الأمّة بالخداع والتقية، ويسعون باستمرار إلى الفوضى بين العرب تحت شعار الزحف نحو القدس، الذي تحوّل إلى أمكنة بحثاً عن الشيعة لسلخهم كمواطنين عن أنظمتهم، وتحويلهم إلى رعايا في “ولاية الفقيه” وهم سادة بين العرب.
