“أبو سلّة” ظنَّ نفسه “أمبراطور دويلة” لا يقدر عليه سلاح الدولة
نقل إجرامه من الفنار إلى الشراونة بحماية “فائض القوّة” و”العشائر”
من الخطف إلى طلب الفدية فتجارة المخدّرات والتهريب على المعابر.. وماذا بعد؟!
قبل الغوص في تقريرنا يستوقفنا، إعلان قيادة الجيش اللبناني في تغريدة عبر حسابها على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” عن أنّه “تمَّ ضبط رمّانات بندقية لقاذف Launcher تحمل كتابات عبرية، إضافةً إلى كمية من الأسلحة الحربية والذخائر، وهي عائدة إلى أحد المطلوبين من آل زعيتر، وذلك خلال عمليات الدهم المستمرة في الشراونة”.
إذن الممانعون يستعملون في مواجهاة الجيش سلاحاً من أصدقاء “الشيطان الأكبر”، سلاحاً صهيونياً “والعياذ بالله”..
لائحة حافل بالمجرمين!
وبعيداً عمّا ورد أعلاه، فإنّه بين الفترة والأخرى تُتحفنا الميليشيات الحاكمة والمستحكمة بالدولة بوديعة ترؤّع الناس، وتبطش بإسم فائض القوّة، وتحل محل الدولة الغائبة، فتحكم ظلماً وعدواناً، وتُنزل بالبلاد توتّراً وبالعباد ضياع أمن وسرقة استقرار..
بدءاً من آل زعيتر، الذين أصبحوا “ماركة مسجّلة” أو الأقرب للواقع “مسجل خطر”، إلى آل شمص وآل اسماعيل، لاسيما “علي زيد إسماعيل”، الذي قضى و7 من معاونيه على يد الجيش عام 2018، بعدما هزَّ أمن لبنان لفترة طويلة، وهو المطلوب بـ2941 مذكرة توقيف، واعتُبر حينها من أخطر المطلوبين على الإطلاق، ناهيك عن الكثير الأُسر البعلبكية التي آثرت الاحتماء بقوّة الميليشيا والسلاح على أنْ يكون سلاح الدولة هو الحامي الأوّل والأخير..
إسم جديد على اللائحة!
أما في جديد أباطرة المخدّرات، وفيما يبقى الأشهر “نوح زعيتر”، فإنّ “إبن العيلة” علي مهدي زعيتر، الشهير بـ”أبو سلة”، والذي أصبح اليوم أشهر من نار على صارية تروّع الأمن “على عينك يا تاجر”، إلى سواهما من الأسماء التي مرّت في تاريخ تجارة المخدّرات، وتهريب السلاح، واستغلال المعابر غير الشرعية، لبناء دويلة، اقتُبست منها أعمال سينمائية، حوّلت المجرم إلى بطل، ما يؤكد حجم التحديات التي تعترض القوى الشرعية في بسط سيطرتها، حتى على صعيد الأمن المحلي، بمواجهة أوكار خارجة على القانون، تُطرح الكثير من الأسئلة حول مدى “غض النظر” عنها، ومدى مسببات وصولها لتصبح حالة “إرهابية” بكل ما للكمة من معنى، في ظل “علاقة تَخادُمية”، مع قوى أمر واقع، ترفع شعار “مرّقلي لمرّقلك”، أو لاعتباراتٍ عشائرية وعائلية وخشية الدخول في صِدامات تجرّها إلى احتكاكات مع جزء من بيئتها الحاضنة، فيما لم ينفكّ “حزب الله” ينفي أيّ دعم له لمافيا المخدرات المترامية في البقاع وعلى مقلبيْ الحدود اللبنانية – السورية، على عكس كل ما تُفشيه الوقائع.
تاريخ حافل.. بكل شيء!!
وفي ما يتعلّق بـ”أبو سلّة”، فهو كما أصبح معروفاً، اكتسب لقبه من المرحلة التي كان يُدير فيها تجارة المخدرات في منطقة الزعيترية – الفنار (شمال شرقي بيروت) حيث تعوّد أنْ يبيع “سمومه” على أنواعها من خلال سلة تهبط من شقته إلى الزبون، ولكن مع استقراره في حي الشراونة، قبل نحو ستة أعوام، وعلى الرغم من ارتباط الإسم به، إلا أنّه ركّز نشاطه وقوّى موقعه إلى أنْ بات أكبر مصْدر للمخدرات في العاصمة ومحيطها، ومن أشهر ما يبيعه الحبوب المخدّرة من السيلفيا إلى الـ XTC والكوكايين والكبتاغون وغيرها.
سينما “أبو سلّة”
وعلى طريق سينما هوليوود، يحصّن زعيتر موقعه بتدابير تفوق الخيال، إذ يتّخذ من منزله في الشراونة مركزاً للاجتماع مع كبار تُجار المخدرات والمطلوبين لتنسيق عمليات الإتجار وترويج المخدرات، كونه يملك داخل منزله غرفة تحكم تُدير العديد من كاميرات المراقبة المنتشرة على كل مداخل محلة الشراونة ويُشكّل مع بقية المطلوبين غرفة عمليات لرصد الدوريات الأمنية القادمة باتجاه أماكن تواجدهم، كما يملك معملاً لطبخ وتصنيع المخدرات (كوكايين، سيلفيا، حشيشة الكيف) خلف منزله في الشراونة، إضافة إلى ديوان لتجارة وترويج المخدرات في محيط منزله.
“أبو سلة” المطلوب بنحو ألف مذكرة ووثيقة أمنية، وصدرت في حقّه أحكام غيابية، بجرائم تراوح بين الإتجار بالمخدرات عبر شبكة واسعة (في عدادها فتيات وعاملون في وسائل نقل عدة) وبيعها لطلاب الجامعات والمدارس وأعمال خطف وسرقة وتزوير وإطلاق نار على الأجهزة الأمنية والعسكرية، برز اسمه مؤخّراً قبل شهر ونيف في قضية الاشتباه بتورّطه بعملية خطف طاولت المُحاسِب في شركة “الصباح إخوان” (من الجنسية المصرية)، قبل أن تُحرّره قوة من الجيش اللبناني لاحقاً، وتمَّ آنذاك تلف كمية كبيرة من المخدرات بعد دهم قوى من مديرية المخابرات في البقاع لأماكن عمل “أبو سلة” في الشراونة في سياق البحث عن المواطن المصري، وسط تقارير عن ضبْط معدات أيضاً لتصنيع الكبتاغون.
مصدر عسكري يؤكد!!
وفيما لم يمرّ نفي أبو سلة حينها، أن تكون له علاقة بعملية الخطف من دون صدور تهديداتٍ منه وآخرين مطلوبين للعدالة توعّدت قادة أجهزة أمنية ومسؤولين في مخابرات الجيش في البقاع، فإنّ مصدر أمني مطلع أكد أنّ “عملية القضائ على أسطورة أبو سلة كانت محضَّرة بدقة للقبض عليه كونه أحد أكبر المطلوبين بجرم ترويج المخدرات”، نافياً أن يكون “الجيش بصدد تنفيذ عملية واسعة ضد تجار المخدرات بشكل شامل، بل حصر عمليته التي احتاجت إلى تحضير زمني وجهد استخباراتي للقبض عليه بصفته رأس تجار المخدرات، لكن تحصين زعيتر لدويلته في حي الشراونة بخطوط دفاع متقدّمة، من كاميرات وأنظمة إنذار بشرية مبكّرة وأجهزة متطوّرة أتاحت له الإفلات من عنصر المباغتة الذي منح القوة العسكرية أفضلية نسبية، إلى أن اندلعت مواجهة داخل مقرّه استُخدمت فيها أسلحة رشاشة وقنابل يدوية.
مجرم وقح وتوريط عسكري
يُذكر أنّ “أبو سلة” من المجرمين الوقحين الذين يتباهون بإجرامهم “مكشوفي الوجه”، دون أنْ يتوانى عن نشر صور له على مواقع التواصل يَظهر في بعضها وهو يتباهى بحمل السلاح، وبعد أولى بدايات عملية التي ينفّذها الجيش، قام بنشر فيديو عبر صفحته على “فيسبوك” يظهر فيها داخل سيارات رباعية الدفع مع أفراد من عصابته، كما تبرز لقطات لِما أوحى أنه استهداف صاروخي لقوة الجيش أمام منزله.
وختاماً، ربطت تقارير في وسائل إعلام لبنانية المجرم زعيتر بعملية اختراقٍ خطيرة لمكتب مكافحة المخدرات المركزي، تمكّن بموجبها وبتسهيل من داخل المكتب من سرقة كمية كبيرة من مادة “الكوكايين” من بين المضبوطات في مستودعات المكتب. وحُكم في هذه القضية على رئيس سابق للمكتب و7 ضباط بتهمة الإهمال ومخالفة التعليمات العسكرية، وعلى عناصر من المكتب بتهمة سرقة نحو 9 كيلوغرامات من الكوكايين المضبوط في مستودع المكتب بهدف بيعها إلى “أبو سلة”، وهو تم اكتشافه بعد إجراء جردة على المستودع إذ لوحظ وجود “كرتونة” تم تمزيق نحو سبع 7 سنتمترات منها، ليُكتشف بعد فض الأختام عنها فضيحة اختفاء الكوكايين.
