انسحاب سعد الحريري من المشهد السياسي لا يُعفيه من مسؤولية الانهيار
“صندوق النقد” أوشك على اليأس من المفاوضات مع اللبنانيين المتناحرين
خيار التعطيل مرجّح نتيجة تولّي “تحالف السلاح والفساد” الحكم في البلد
أكد رئيس تحرير موقع “البديل” الكاتب الصحافي اللبناني أحمد الأيوبي أنّ “الوضع في لبنان اليوم شبه ميؤوس منها، لأنّ مَنْ يمسك تلابيب السلطة يرفض التنازل عنها”، محذّراً من “سيناريو استكمال الانهيار ووقوع الانفجار، الذي لن يُبقي حجراً على حجر، دون أنْ يأتي ببدائل جاهزة قابلة للحكم”.
وأوضح أنّ “لبنان بعد الانتخابات النيابية شهد المزيد من التعقيدات السياسية والمالية والاقتصادية، سببها حرمان نتائج الانتخابات لحزب الله من الأغلبية السياسية والنيابية، دون تبلور أغلبيّة أخرى مقابلة”، ما أسفر عن “برلمان منقسم بين حزب الله وحلفاؤه، القوّات اللبنانية وحلفاؤها، والقوى التغييرية”.
وفيما اعتبر أنّ “تجربة التشارك مع حزب الله في مركب واحد، أدّت إلى كوارث حقيقية على جميع المستويات، نتيجة تولّي “تحالف السلاح والفساد” الحكم في لبنان”، رأى أنّ “خيار التعطيل هو الخيار المُرجّح حالياً، لأنّ الحزب سيعتبر استبدال رئيس الجمهورية بآخر لا يوالي سلاحه، يعني فتح ملف هذا السلاح على مصراعيه”.
وإذ جزم بأنّ “ما من حل للبنان سوى أنّ “يحل حزب الله عن لبنان”، لأنّ البلد بحاجة إلى التحرير من ضغط السلاح”، سأل: “هل سيسمح حزب الله بتشكيل حكومة مستقلين؟”.
وحول المتسبّب بخراب البلد بالتعاون مع حزب الله، بيّن أنّ “انسحاب سعد الحريري من المشهد السياسي لا يُعفيه من المسؤولية “بعدما خربها وجلس على تلّها”، بإيصال عون إلى رئاسة الجمهورية وجبران باسيل رئيس الظل”، مشدّداً على أنّ “الحريري كان عائقاً أمام التغيير، وخروجه أسهَمَ إلى حدٍّ كبير في تحرّر أهل السُنّة في لبنان من ربقة الهيمنة”.
وختم مؤكدا أنّ “صندوق النقد الدولي تقريباً يئس من المفاوضات مع لبنان ويكاد يقول للبنانيين: “إقلعوا أشواككم بأيديكم”، وعندما تتوافقون على الإصلاحات، تعالوا إلينا”.
نص اللقاء
الأيوبي وفي لقاء مع برنامج “محطات سياسية” من “القناة 9” الفضائية قال: “الوضع في لبنان بعد الانتخابات النيابية شهد المزيد من التعقيدات السياسية والمالية والاقتصادية، والسبب الأساس هو أنّ نتائج الانتخابات حرمت حزب الله من الأغلبية السياسية والنيابية، لكنّها لم تبلور أغلبيّة أخرى مقابلة، تستطيع أنْ تتكتّل لتشكّل أغلبية لتحكم، وهذه إشكالية ما يحول دونها أنّ قسماً من النوّاب “التغييريين” لم يحسموا أمرهم بعد من قضية سلاح حزب الله غير الشرعي، وهذا ما يحول أيضاً دون أنْ تلئتم هذه المجموعات المعارضة على شكل جبهة واسعة، تتفق على تسمية رئيس حكومة وتشكيل حكومة، وتُدير أغلبية نيابية”.
ولفت الأيوبي إلى أنّ “الإشكالية الأساس التي تحول دون التوافق أو التفاهم في لبنان، هي أنّ أي توافق سيعني العودة للجلوس مع حزب الله إلى طاولة واحدة في الحكومة المقبلة، وهذه مسألة تبتعد عنها القوى السيادية كلياً، والمسألة الآن كيف يمكن تشكيل أغلبية للحكم، لأنّ تجربة التشارك مع حزب الله في مركب واحد، حكومة واحدة، سلطة واحدة، أدّت إلى كوارث حقيقية على جميع المستويات، فنحن نشهد إفلاساً وانهياراً كاملين، وانقطاعاً لعلاقات لبنان العربية والدولية، وبالتالي نحن أمام كارثة حقيقية نتيجة تولّي “تحالف السلاح والفساد” الحكم في لبنان، السلاح الذي تمثّل بحزب الله والفساد الذي تمثّل بالتيار الوطني الحر وبعض الحلفاء الآخرين من “خط الممانعة”، هذا بكل بساطة”.
وردّاً على سؤال حول أي فرصة لخروج لبنان من أزماته، أكد أنّه “إذا كانت هناك أي فرصة للبنان من أجل الخروج من هذه الكارثة، فهو تشكيل حكومة من المستقلين، وعلى حزب الله أنْ يُقر بأنّه لم يستطع أنْ يُخرِج البلد من الأزمة، وأنْ يُتيح المجال لحكومة محايدة لا تكون موالية له أو موالية للقوى السيادية، وبالتالي تحظى بقبول الطرفين من أجل عبور هذه المرحلة الانتقالية، المُلزمة للتفاوض مع صندوق النقد الدولي لإنجاز التعافي المالي”.
وكشف عن أنّ “البرلمان اللبناني منقسم بطبيعة الحال اليوم، إلى كتل أساسية: حزب الله وحلفاؤه، القوّات اللبنانية وحلفاؤها، والقوى التغييرية، بمعنى هي معسكرات منفصلة متقابلة فيها تباينات داخلية، ولكن نحن الآن أمام استحقاق انتخاب رئيس للجمهورية، فهل سيسمح حزب الله بأنْ تخرج رئاسة الجمهورية من يده، وهو الذي أطبق عليها خلال السنوات الـ6 الماضية؟، لذلك خيار التعطيل هو الخيار المُرجّح حالياً، لأنّ الحزب سيعتبر أنّ استبدال الرئيس بآخر لا يوالي سلاحه، يعني فتح ملف هذا السلاح على مصراعيه، وهذا أمر لا يتحمّله الحزب في هذه المرحلة الراهنة”.
وشدّد على أنّه “عدم تشكيل غالبية سياسية، أمر سيؤدي إلى شكل من أشكال الفراغ، لأنّ تشكيل الحكومة بحاجة إلى أغلبية نيابية، بداية تسمّي رئيسها، ثم تمنحها الثقة، لتستطيع أنْ تمارس مهامها وصلاحياتها، وإنْ لم يحصل ذلك فنحن أمام شكل جديد من أشكال الفراغ، الذي يهواه حزب الله في البلد، والمسأل هي مسألة إمّا تعطيل أو استنقاذ الدولة اللبنانية”، جازماً بأنّه “ما من حل للبنان سوى أنّ “يحل حزب الله عن لبنان”، لأنّ البلد بحاجة إلى التحرير من ضغط السلاح، وضغط تعطيل العلاقات الخارجيّة، إذ كيف سيأتي التمويل من صندوق النقد الدولي، العرب أو أصدقاء لبنان، إذا كانت الحروب التي يخوضها حزب الله من سوريا إلى العراق، فاليمن، وغير ذلك، لا تزال مستعرة، ولا يزال يهدّد الأمن القوي العرب، فهذا الحزب الذي ينطلق من لبنان أصبح يشكل خطراً على كل الإقليم، وبالتالي لا يمكن بأي حال من الأحوال العودة إلى “حكومة وحدة وطنية” كما تسمّيها قيادة الحزب، فأي حكومة يشاركون فيها ستكون عضلة كبيرة جداً، وهل سيسمح حزب الله بتشكيل حكومة مستقلين؟، أعتقد بأنّ هذا الأمر غاية في الصعوبة، لذلك نحن متّجهون إلى فراغات دستورية كبيرة تهدّد كيان الدولة، وتهدّد استمرارية لبنان كوطن نهائي لجميع أبنائه”.
وعن شركاء حزب الله في الأزمات اللبنانية، أشار الأيوبي إلى أنّ “حزب الله قوّة مهيمنة ومسيطرة، لذلك فهو صاحب المسؤولية الكبرى، لكن حتماً له شركاء في الكارثة التي بلغناها، فهم شركاء حكموا معه وعقدوا معه الصفقات، بدءاً من الرئيس ميشال عون، إلى التيار الوطني الحر، إلى الحزب القوي، كما النوّاب التابعين للحزب الله من جهة، ومن جهة أخرى طبعاً صفقة الرئيس سعد الحريري بإيصاله الرئيس عون إلى قصر بعبدا، ومن خلفه جبران باسيل، والكل يذكر كلمة الرئيس الحريري “انتخبوا صديقي جبران”، ومشاركة الحريري ومسؤولين من تياره مثل المهندس سمير ضومط، في صفقة “سفن الكهرباء” الشهيرة، لا شك هم جميعاً مسؤولون أيضاً بالهندسات المالية، التي قام بها مصرف لبنان لصالح هؤلاء، وشارك فيها مصرف تابع لرئيس الجمهورية، وآخر تابع لحريري، ومصارف أخرى تابعة لسياسيين آخرين، “كلّهم شركاء في هذه الجريمة الكبرى”، ولا يُعفي سعد الحريري انسحابه من المشهد السياسي الآن “بعدما خربها وجلس على تلّها”، نعم هو مسؤول وأعتقد بأنّه لو خاض الانتخابات النيابية الأخيرة، لكان الشعب اللبناني لقّنه درساً عسيراً، نتيجة سلوه السياسي المُسيء للبنان”.
ولفت إلى أنّ “سعد الحريري كان عائقاً أمام التغيير، فهو لطالما شكّل عقبة في وجه الواقع السنّي تحديداً، من أجل فرز نوّاب لا يقبلون بهيمنة حزب الله على الدولة، وبالتالي خروجه أسهَمَ إلى حدٍّ كبير في تحرّر أهل السُنّة في لبنان من ربقة الهيمنة، وأيضاً إطلاق مشروع التغيير في داخل الواقع السني، وهذا أمر غاية في الإيجابية، ولو أنّه لم يكتمل في هذه الانتخابات بشكل تام وناجز، لكنه وضع خُطاه على الطريق الصحيح، ونحن نرى أنّ الواقع السني في العديد من المناطق أحرز تقدّماً، وهو اتجاه تطوير قدراته لإنشاء كيان سياسي سيادي، يؤمن بأحقيّة الدولة ويرفض السلاح غير الشرعي”.
ورأى أنّه “قبل التوافق على أي ملف لبناني، لا بد من البدء بالإصلاحات، فالشرط الأساس لصندوق النقد الدولي هو إجراء الإصلاحات، وأهمها يجب أنْ يطال قطاع الطاقة والمياه (الكهرباء)، هذا القطاع الذي يستنزف الدولة اللبنانية، ويتولاه منذ 13 عاماً وزراء “التيار العوني”، وهذه الإصلاحات لا تحتاج إلى ميزانية، كونها عبارة عن تخفيض في ميزانية الدولة، للحد من الهدر والفساد، ورشاقة في الموازنة وتحديد أولويات المواطنين اللبنانيين بشكل سليم، لكن ما يحصل هو أنّ “التيار العوني”، ورئيسه جبران باسيل يصرّان على رفض تشكيل هيئة عامة ناظمة لقطاع الكهرباء، كونه يعتمد استراتيجيته الخاصة بالمياه والسدود، ويريد الاستمرار في فساد مشاريع السدود التي نفّذها، ولذلك الآن صندوق النقد الدولي تقريباً يئس من هذه المفاوضات ويكاد يقول للبنانيين: “إقلعوا أشواككم بأيديكم”، وعندما تتوافقون على الإصلاحات، تعالوا إلينا”، هذا هو واقع الحال اليوم”، مؤكداً أنّ “السلطة الحاكمة في لبنان اليوم خسرت كل ثقة داخلية وخارجية، لذلك نرى المملكة العربية السعودية عندما ترسل مساعدات أصبحت ترسلها إلى مؤسّسات اجتماعية خاصة مباشرة، ولا تمر عبر الدولة، لأنّ هناك مخاوف من المانحين بأنْ تسرق السلطة مساعدات اللبنانيين، كما حصل في مساعدات وصلت عشية تفجير مرفأ بيروت، وتحاصصها الكثير من السياسيين، المستولين على الحكم في البلد”.
وسؤال الختام كان “مَنْ ينقذ لبنان؟!”، فكشف الأيوبي عن أنّنا “أمام حالة تقريباً ميؤوس منها، لأنّ مَنْ يمسك تلابيب السلطة يرفض التنازل عنها، ولو على طريقة “خسارة الانتخابات” أو “خسارة الأغلبية النيابية”، وأخشى أنْ نكون أمام سيناريو وحيد، هو استكمال الانهيار ووقوع الانفجار، عند ذلك هذه السلطة ستفقد ما لها من شرعية، ولن يبقى حجر على حجر فيها، وسنكون أمام حاجة لتبلور رؤية لإعادة تكوين المؤسّسات، وربّما حينها يحضر سيناريو إعادة بناء الوزارات اللبنانية، بإشراف الأمم المتحدة، وهذا أمر لم يعد مستبعداً في ضوء الواقع الراهن”، مشدّداً على أنّ “اللبنانيون إذا وصلوا إلى درجة لم يعودوا يملكون ما يقتاتون به، وهذا أمر أصبح وشيكاً، بالتأكيد لن يكون هناك مهرب من الانفجار، وهذا الانفجار قد لا يكون ثورة بمعناها الحقيقي، بل ما يُطيح بالسلطة الحاكمة دون أنْ يأتي ببدائل جاهزة قابلة للحكم، وهذا ما يدفعنا إلى توقع وضع لبنان تحت وصاية الأمم المتحدة، على الأقر في ما يتعلق بمؤسّسات الدولة اللبنانية”.
