المحامية سامنتا سعيد
عرّف نيتشه العدمية بأنها الحالة التي تفقد فيها أسمى القيم قيمتها، أو، بتعبيره، حين «تحطّ أسمى القيم من قيمة نفسها». وفي مكان آخر يكتب: «إن العدمي شخص يريد عالماً على غير هذه الشاكلة، والعالم على غير هذه الشاكلة ليس موجوداً». العدمية، بهذا المعنى، ليست مجرد عدم الإيمان بشيء، بل هي العيش في عالم لم تعد فيه القيم التي كانت تمنح الحياة معناها قادرة على القيام بهذه الوظيفة.
ولعل هذا التعريف يصلح، أكثر مما نعتقد، لوصف جزء كبير من عالمنا السياسي اليوم.
فنحن نعيش في عالم سياسي منزوع من اليقين، تتراجع فيه قدرة الأفكار الكبرى على إقناع الإنسان بأنها قادرة على تغيير حياته أو بناء مستقبل مختلف. لم تعد المشكلة أن الشباب العربي لا يؤمن بشيء، بل أنه لم يعد يثق بسهولة بأي مشروع جماعي يدّعي أنه يعرف الطريق إلى المستقبل.
لقد ورث المواطن العربي من القرن العشرين ثلاثة أحلام كبرى، ثم شهد انهيارها واحداً تلو الآخر.
كان الحلم الأول هو الاشتراكية القومية، التي وعدت بالوحدة العربية والعدالة الاجتماعية والتحرر من الاستعمار وبناء دولة حديثة ومستقلة. لكن هزيمة عام 1967 كشفت هشاشة كثير من الأنظمة التي حملت هذا المشروع، ثم جاء الفساد والاستبداد وطول عمر الأنظمة ليحوّل الوعد بالتحرر إلى واقع سياسي مغلق.
ثم جاء الإسلام السياسي، مقدّماً نفسه بوصفه بديلاً عن الأنظمة القومية والعلمانية، ومبنياً على فكرة أن العودة إلى الإسلام السياسي قادرة على استعادة العدالة والكرامة والهوية. لكن تجارب مختلفة، من إيران إلى السودان إلى مصر، أظهرت أن الوصول إلى السلطة باسم الدين لا يضمن بالضرورة بناء دولة أكثر حرية أو عدلاً، بل إن بعض هذه التجارب انتهى إلى أنظمة أكثر قمعاً أو إلى صراعات اجتماعية وسياسية عميقة.
ثم جاء الدور الثالث لـ الليبرالية الديمقراطية، التي حملت وعوداً مختلفة: الديمقراطية، حقوق الإنسان، دولة القانون، والحريات الفردية. غير أن وصول هذا النموذج إلى العالم العربي، في واحدة من أبرز تجلياته، جاء مرتبطاً بالتدخل العسكري في العراق، وما تلاه من انهيار مؤسسات الدولة وصعود العنف الطائفي والإرهاب، وصولاً إلى تنظيم «داعش» وحروب أهلية وانقسامات طويلة الأمد.
ليس المقصود من ذلك القول إن هذه الأفكار الثلاث متشابهة، أو أن فشل بعض التجارب السياسية يثبت فشل المبادئ نفسها. فهناك فرق كبير بين الفكرة وتطبيقها التاريخي. لكن بالنسبة إلى المواطن الذي عاش نتائج هذه التجارب، قد لا يكون هذا الفرق مهماً بالقدر نفسه.
فهو لم يعش النظريات في الكتب، بل عاش نتائجها.
وهنا تكمن المأساة الأساسية: لقد جرى خذلان المواطن العربي أكثر من مرة، حتى أصبح الجيل الجديد لا يثق بالوعد السياسي نفسه.
لم تعد المشكلة أن الناس لا يريدون التغيير، بل أنهم لا يعرفون إلى أين يمكن أن يقودهم التغيير. ولهذا تبدو العدمية السياسية اليوم نتيجة منطقية لتاريخ طويل من خيبات الأمل.
من هنا يمكن فهم ما حدث مع أطروحة «نهاية التاريخ» التي طرحها فرانسيس فوكوياما عام 1992، والتي رأت في انتصار الديمقراطية الليبرالية نهايةً للصراع الأيديولوجي الكبير. لكن التاريخ لم ينتهِ. بعد أقل من عقد وقع هجوم 11 أيلول، ثم جاءت حروب العراق وأفغانستان، وصعود الحركات الجهادية، والأزمة المالية العالمية، ثم صعود شخصيات سياسية مثل ترامب وبوتين وأردوغان، وعاد التنافس الجيوسياسي والقومي بقوة.
ما انتهى، أو على الأقل تراجع، لم يكن التاريخ أو الصراع الايديولوجي، بل اليقين الأيديولوجي.
وهذا هو الفراغ الذي يعيشه الشباب العربي اليوم.
فالفراغ الأيديولوجي لا يعني بالضرورة غياب الدين أو الأخلاق أو القناعات الشخصية. قد يكون الإنسان شديد الإيمان دينياً، أو شديد التمسك بقيم اجتماعية أو أخلاقية، ومع ذلك يعيش فراغاً سياسياً. ما غاب هو المشروع الجماعي: الفكرة التي تستطيع أن تقول لمجموعة من الناس ليس فقط ما الذي يرفضونه، بل أي مجتمع يريدون أن يبنوه معاً.
الشباب العربي يعرف، في كثير من الأحيان، ما لا يريد بدقة مذهلة.
فهو لا يريد الفساد.
لا يريد الطائفية.
لا يريد الاستبداد.
لا يريد الفقر.
لا يريد الحرب.
لا يريد أن يعيش في دولة تفشل في تأمين أبسط حقوقه.
لكن عندما نسأله: ماذا تريد بدلاً من ذلك؟
هنا تبدأ الإجابة بالاختفاء.
وهذا هو الفارق الجوهري بين الاحتجاج والمشروع. الاحتجاج يستطيع أن يجمع الناس حول ما يرفضونه، لكنه لا يستطيع وحده أن يخبرهم بما سيبنونه بعد سقوط الشيء الذي رفضوه.
ولعل هذا أحد أسباب المأزق الذي انتهت إليه ثورات الربيع العربي. كانت هناك طاقة هائلة على الرفض، لكن لم يكن هناك دائماً مشروع جماعي قادر على تحويل هذه الطاقة إلى مؤسسات ونظام سياسي جديد. كانت الثورة واضحة في سؤالها: «ماذا لا نريد؟»، لكنها كانت أكثر غموضاً في سؤالها الأصعب: «ماذا نريد؟».
ومن هنا يصبح لبنان نموذجاً مكثفاً لهذه العدمية السياسية.
فاللبناني المعاصر يعيش تناقضاً قاسياً: يعرف أن النظام السياسي لا يعمل، يعرف أن الطبقة السياسية مسؤولة عن جزء كبير من أزماته، يعرف أن الاقتصاد انهار، وأن الدولة عاجزة، وأن الخدمات الأساسية أصبحت موضع مساومة، وأن الهجرة تحولت بالنسبة إلى كثيرين من خيار إلى مشروع حياة. ومع ذلك، فإن هذا الإدراك لا يتحول بالضرورة إلى فعل سياسي مستمر.
المواطن اللبناني يستهلك، يشتكي، يسخر، يهاجر أو يحاول النجاة، ثم يعود إلى حياته اليومية غارقا في العدمية.
إذ أنه لا يثور بالمعنى المستمر، ولا يبني بالقدر الكافي، ولا يغيّر قواعد اللعبة، ليس لأنه راضٍ، بل ربما لأنه لم يعد يؤمن بأن التغيير ممكن أصلاً.
وهنا تصبح العدمية السياسية أخطر من مجرد اللامبالاة. فاللامبالي قد يكون غير مهتم بالسياسة، أما العدمي سياسياً فقد يكون مهتماً بها إلى أقصى الحدود، لكنه فقد الإيمان بجدوى الفعل السياسي. إنه يعرف المشكلة، لكنه لا يرى في نفسه أو في جماعته القدرة على إنتاج البديل.
وهذا الوضع يناسب السلطة السياسية أكثر مما يناسبها الولاء أحياناً.
فالسلطة التي يطيعها المواطن قد تخشى انقلاب هذا المواطن عليها عندما تتغير الظروف. أما المواطن الذي فقد الإيمان بإمكانية التغيير فلن يحتاج النظام إلى إقناعه بفضائله؛ يكفي أن يقنعه بأن لا شيء سيتغير.
وهذه ربما هي أقوى آليات السيطرة: ألا تجعل المواطن يحب النظام، بل أن تجعله يعتقد أن البديل مستحيل.
لكن هنا تحديداً يمكن أن يتحول الفراغ إلى فرصة.
فربما لا نحتاج اليوم إلى أيديولوجيا جديدة بالمعنى القديم، ولا إلى زعيم جديد، ولا إلى شعار جديد يطلب من الناس أن يؤمنوا به. ما نحتاج إليه هو إعادة بناء السياسة من الأسفل: من المبادئ لا الشعارات، ومن المؤسسات لا الزعماء، ومن العقد الاجتماعي لا الوعود الخطابية.
المطلوب ليس أن نستبدل عدميتنا بوهم جديد.
بل أن نستخدم الفراغ لكي نسأل للمرة الأولى، وبصوت مستقل:
ماذا نريد نحن؟
لا ماذا قيل لنا إن علينا أن نريد.
لا ماذا تريد الطائفة.
لا ماذا يريد الزعيم.
لا ماذا تريد الأيديولوجيا.
ولا ماذا يريد الخارج منا.
بل ماذا نريد نحن، كمواطنين، أن تكون عليه الدولة والمجتمع والحياة المشتركة؟
ربما تكون هذه هي اللحظة الأكثر أهمية التي يعيشها الجيل العربي الجديد. فحين تسقط الأيديولوجيات القديمة، لا يكون أمام الإنسان بالضرورة فراغ دائم؛ قد تكون أمامه أيضاً إمكانية التحرر من الأفكار الجاهزة وبناء رؤية جديدة من الداخل.
لكن هذه الفرصة لا تبقى متاحة إلى الأبد.
فالفراغ الفكري والسياسي لا يبقى فارغاً. إذا لم نملأه بأفكارنا، سيملؤه أول صوت أعلى منا. وإذا لم نبنِ مشروعاً جماعياً، ستعود المشاريع القديمة بأسماء جديدة، أو ستأتي مشاريع أخرى من الخارج لتقدم لنا إجابات جاهزة عن أسئلة لم نطرحها نحن.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي أمام الشباب العربي واللبناني اليوم ليس: أي أيديولوجيا نختار؟
بل ربما السؤال الأصعب والأكثر أهمية:
هل نستطيع أن نبني، للمرة الأولى، مشروعنا السياسي بأنفسنا؟
فالفراغ الأيديولوجي ليس نهاية السياسة.
قد يكون، إذا أحسنا التعامل معه، بداية السياسة من جديد.
