طارق الحجيري
الطعن الذي تقدّم به التيار الوطني الحر في قانون العفو العام ليس مجرّد خطوة قانونية عابرة، أو تفصيلًا دستوريًا يمكن فصله عن السياق السياسي الذي أحاط بإقرار القانون.
ففي لبنان تُقرأ أهداف المواقف السياسية من خلفياتها وتوقيتها، لذلك تتسارع الاسئلة حول ماذا يريد التيار البرتقالي من هذه الخطوة، وما الجدوى الوطنية منها، إذا كانت ستعيد فتح أبواب الانقسام بقسوةٍ أكبر، وتضع شريحة واسعة من اللبنانيين أمام شعور جديد بالاستهداف؟
قانون العفو العام، بكل ما رافقه من نقاشات واعتراضات، جاء في لحظة لبنانية دقيقة، وظروفه تحتاج إلى تخفيف الاحتقان وفتح مسارات للمصالحة، لا إلى إعادة إنتاج الخصومات القديمة.
لذلك محاولة الطعن به تثير علامات استفهام كثيرة، حول الرسالة السياسية التي أراد التيار العوني إيصالها، ولا سيما أن القسم الأكبر من اللبنانيين ينتظرون أن يُحدِث العفو تأثيرات ايجابية بملفات اجتماعية واقتصادية ومعيشية بعد المصاعب الشائكة التي راكمتها سنوات الأزمات.
الحقد لا يُنتِج
السؤال ليس فقط هل يحق للتيار الطعن؟ فهذا حق قانوني وسياسي، لكن ما الذي سيحققه الطعن عمليًا للبنان؟ هل سيعيد حقوقًا ضائعة؟ هل سيحلّ أزمة معيشية؟ هل سيخفف الاحتقان؟ أم أنه سيعيد البلاد إلى لغة التأزم السياسي، ويعمّق الشرخ بين اللبنانيين؟
هذه الأسئلة تخلق اقتناعًا لدى شريحة واسعة من اللبنانيين السنة بأن سلوك التيار الوطني الحر تجاه قضاياهم ليس مجرد اختلاف سياسي، بل تحمل طابعًا عدائيًا واضحًا، يُهدّد أسس الشراكة والعيش الواحد.
وفي هذا السياق، لا يستغرب كثيرون من اللبنانيين السنة “الحقد العوني الأسود” تجاههم، معتبرين أن مواقف التيار تخلق شعورًا بأن منطق الاستهداف السياسي لم ينته، ولو أن العودة إليه فعليا باتت في عالم المستحيلات .
الثأر السياسي مطلب
المشكلة اليوم أن الطعن لا يُقدِم حلٌا حقيقيٌا لأي من الأزمات التي يعيشها اللبنانيون. وفي المقابل ستكون نتيجته المزيد من التوتر والخصومة، خصوصًا أن أبناء الطائفة السنية لن يتقبلوا بعد أيّ تعامل مع قضاياهم بمنطق العقاب الجماعي. وفي ظل إصرار الكثرين منهم على حتمية الثأر السياسي نتيجة الظلم الذي طالهم في العقود الماضية.
ليس المطلوب من التيار الوطني الحر أن يوافق على كل قانون أو أن يتنازل عن حقه في الاعتراض. لكن المسؤولية السياسية تفرض أن يكون الاعتراض مدخلًا إلى الحلول الناجعة، لا وقودًا لخلافات طائفية وسياسية جديدة.
لبنان لا يحتمل عودة المتاريس. واللبنانيون السنة في طليعة مريدي دولة القانون والعدالة والمصالحة، دولة لها وحدها حق حمل السلاح وحصريته، دولة تعلو على الجميع بالقانون والدستور، وترفض تصفية الحسابات السياسية تحت عناوين دستورية.
وأخر الكلام، إذا كان الطعن لن يقدّم للبنان حلًا، ولن يخفف أزمة، ولن يعالج مظلمة، فما الذي سيضيفه سوى مزيد من الأحقاد والمشاكل؟
