شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

بقلم د. عبدالرزاق القرحاني

أي دولة تلك التي تحجز أموال مواطنيها، وتعجز عن تأمين الكهرباء والمياه، وتترك اقتصادها ينهار، ثم تعود لتطلب من المواطن المزيد من الضرائب والرسوم؟
السؤال ليس افتراضياً… بل هو جزء من المشهد اللبناني اليوم. فالمواطن الذي خسر جزءاً كبيراً من قيمة مدخراته، وتآكل راتبه، وتعطلت قدرته على الوصول إلى أمواله، واضطر إلى دفع كلفة الخدمات الخاصة بعد تراجع الخدمات العامة، يجد نفسه أمام سلطة لا يبدو أنها تملك من أدوات مواجهة الأزمة سوى البحث عن إيرادات إضافية من جيبه.
هنا تصبح الضريبة أكثر من رقم في الموازنة، تصبح اختباراً لعلاقة الدولة بمواطنيها.
لا أحد يقول إن الدولة لا تحتاج إلى الضرائب. فالضرائب أساس من أسس المالية العامة، ومن خلالها تموّل الدولة خدماتها ومؤسساتها وتحقق قدراً من العدالة الاجتماعية.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الضريبة بديلاً عن الإصلاح.
عندما لا تُصلح الإدارة، ولا يُضبط الهدر، ولا يُكافح التهرب، ولا تُستعاد الأموال المنهوبة، ولا تُعاد هيكلة المؤسسات العامة، ولا يُبنى اقتصاد منتج، ثم يقال للمواطن: (ادفع أكثر)، فالسؤال يصبح مشروعاً:
لماذا يدفع المواطن ثمن فشل لم يصنعه؟
في بلد العجائب – لبنان، المواطن لا يدفع ضريبة واحدة.

إنه يدفع ضريبة للدولة، وضريبة على الإنهيار، وضريبة على تراجع الخدمات، وضريبة على سوء الإدارة.
يدفع فاتورة الكهرباء، ثم يدفع للمولد. يدفع ثمن المياه، ثم يدفع للصهريج. يدفع الضرائب، ثم يتحمل كلفة التعليم والاستشفاء والنقل والخدمات التي يفترض أن تؤمن الدولة جزءاً أساسياً منها.
وهكذا أصبح اللبناني أمام معادلة غير عادلة:
دولة تجبي منه كلفة الدولة، فيما هو مضطر إلى دفع كلفة غيابها أيضاً.
الأكثر إيلاماً أن هذه السياسة تأتي في مجتمع أنهكته سنوات الأزمة، وفي منطقة تعيش على وقع الحروب والتوترات الإقليمية، وفي إقتصاد لم يستعد بعد قدرته الطبيعية على النمو والاستثمار وتوفير فرص العمل.

سياسياً
في مثل هذه الظروف، تكون مسؤولية الدولة مضاعفة: أن تحمي المجتمع، لا أن تزيد هشاشته.
لكن بلدنا يعاني مشكلة تتجاوز الأرقام المالية. إنها مشكلة غياب الرؤية السياسية والإرادة التنفيذية والإدارة القادرة على تحويل الخطط إلى أفعال.
فالسلطة تعرف حجم الأزمة. والخبراء قدموا عشرات المقترحات. والمؤسسات الدولية وضعت خرائط طريق للإصلاح. والمواطن نفسه يعرف مكامن الخلل.
لكن السؤال الذي بقي بلا جواب هو:
من يملك القرار؟
ومن يملك الشجاعة لتنفيذ الإصلاح؟
إصلاح المصارف ليس مجرد ملف مالي؛ إنه قضية عدالة وحقوق.

إصلاح الكهرباء ليس مجرد مشروع تقني؛ إنه قضية إدارة ووقف نزيف مزمن.

إصلاح الإدارة ليس ترفاً؛ إنه شرط لبقاء الدولة.
ومكافحة التهريب والفساد ليست شعارات انتخابية؛ إنها ضرورة لإنقاذ المالية العامة.
أما زيادة الضرائب من دون معالجة هذه الملفات، فهي أشبه بوضع ضمادة على جرح عميق.
لقد حان الوقت كي تفهم الطبقة السياسية أن المواطن ليس «مصدراً مفتوحاً للإيرادات» كلما عجزت الدولة عن تمويل نفسها.

المواطن شريك في الدولة، وليس صندوقها المالي.

ومن غير المقبول أخلاقياً وسياسياً أن يُطلب منه المزيد من التضحية، بينما لا يرى إصلاحاً حقيقياً في المقابل.

 

الدولة التي تريد من مواطنيها أن يدفعوا، عليها أولاً أن تثبت أنها تعرف كيف تدير ما يدفعونه.

والحكومة التي تطلب من الناس شد الأحزمة، عليها أن تبدأ بنفسها: في الإنفاق، والهدر، والمحسوبيات، والإدارات المترهلة، والصفقات المشبوهة، والامتيازات المصطنعة.

الإصلاح لا يبدأ من جيب المواطن.. الإصلاح يبدأ من رأس الدولة ومن طريقة إدارة المال العام.

 

لبناننا اليوم أمام خيارين: إما أن تتحول الضرائب إلى جزء من إصلاح إقتصادي عادل وشامل، وإما أن تتحول إلى وقود جديد للاحتقان الإجتماعي وفقدان الثقة.

 

فالناس يمكن أن تتحمل الضرائب عندما ترى دولة…

ويمكن أن تتحمل التقشف عندما ترى عدالة…

 

ويمكن أن تتحمل التضحية عندما ترى أن المسؤولين يضحون وليسوا تجار في سوق النخاسة.

 

لكن ما يصعب قبوله هو أن يبقى المواطن يدفع، فيما تبقى الدولة عاجزة، والطبقة السياسية بلا رؤية واضحة للخروج من الأزمة.

لم يعد السؤال: كم تستطيع الدولة أن تأخذ من المواطن؟

السؤال الأهم: متى تبدأ الدولة بإعطاء المواطن ما يستحقه؟

 

فالدولة لا تُقاس بقدرتها على الجباية، بل بقدرتها على حماية مواطنيها، وصون أموالهم، وتأمين خدماتهم، وبناء اقتصادهم، واستعادة ثقتهم.

 

وإذا كانت السلطة عاجزة عن فعل ذلك، فإن زيادة الضرائب لن تنقذ الدولة.

بل قد تكون آخر ما يدفعه المواطن من فقدان الثقته بها، والاستغناء عن مظلتها…

شاركها.