كتب شادي هيلانة في موقع القرار
في الجنوب اللبناني، لم تعد الغارات الإسرائيلية تُقرأ كحوادث ميدانية منفصلة، فكل ضربة تحمل معها رسالة سياسية تتجاوز موقع الاستهداف، خصوصاً حين تصل النيران إلى مرتفعات علي الطاهر والنبطية الفوقا وأنصار ثم تمتد لاحقاً نحو دير الزهراني وفي منطقة تعيش أصلاً على إيقاع التوتر الأمني والمفاوضات السياسية، يصبح الميدان جزءاً من لغة التفاوض، وتتحول النقاط المرتفعة إلى أوراق ترتبط بمستقبل الحدود وترتيبات المرحلة المقبلة ، وسط مساع لبنانية لإعادة تثبيت حضور الدولة والجيش وتهيئة الظروف أمام عودة الأهالي، بالتوازي مع الضغط السياسي والدبلوماسي من أجل انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية.
أعلن الجيش الإسرائيلي عقب غارات الفجر استهدافه مواقع وصفها بالبنى التحتية التابعة لحزب الله في النبطية وأنصار، وربط عملياته بنشاط ضد قواته في محيط مرتفعات علي الطاهر، غير أن قراءة المشهد من زاوية أوسع تقود إلى سؤال مختلف، هل يجري التعامل مع علي الطاهر كهدف عسكري ظرفي، أم كنقطة تريد إسرائيل تثبيت حضورها حولها ضمن تصور طويل الأمد للجنوب؟
الكاتب والمحلل السياسي أحمد الأيوبي يقول لموقع القرار إن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية وصلت إلى حائط مسدود، ويرى أن التصريحات الإسرائيلية المتتالية تحمل إشارة واضحة إلى اتجاه إسرائيلي نحو تثبيت الواقع الميداني، معتبراً أن إسرائيل لا تبدو في وارد الانسحاب من جنوب لبنان وفق الصيغة التي يطالب بها الجانب اللبناني ويذهب الأيوبي إلى أبعد من ذلك حين يضع مرتفع علي الطاهر في صلب الحسابات الإسرائيلية، باعتباره نقطة استراتيجية يمكن أن تتحول إلى موطئ قدم طويل الأمد.
وبحسب الأيوبي، فإن التطور الأخطر يرتبط بتزامن التصعيد العسكري مع تعثر المسار السياسي، خصوصاً بعد زيارة الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد إلى لبنان، إذ يرى أن المرحلة المقبلة قد تشهد ضغطاً أميركياً مختلفاً في محاولة لإعادة ضبط المفاوضات، فيما تبقى النتيجة المرتقبة من مفاوضات أيلول موضع شك كبير في ضوء السقف الإسرائيلي المرتفع، وهذه القراءة تقود إلى خلاصة حادة لديه، إسرائيل لن تقدم على انسحاب كامل إذا رأت أن الظروف السياسية والميدانية تسمح لها بفرض صيغة أخرى على الأرض.
غير أن الأيوبي يضع الجنوب ضمن صورة لبنانية أوسع، ويعتبر أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بالحدود الجنوبية، وإنما بمستقبل توزيع النفوذ داخل لبنان، وهنا ينتقل إلى ملف شديد الحساسية يتعلق بالهواجس المسيحية من التحولات الديموغرافية والسياسية، إذ يطرح سيناريو وصول نحو 150 ألف شيعي إلى مناطق جبيل وكسروان، ويسأل بصورة مباشرة عن التداعيات التي يمكن أن تنتج عن حركة سكانية بهذا الحجم، وعن الطريقة التي يمكن أن تتعامل بها القوى المحلية والإقليمية مع واقع جديد من هذا النوع.
وفي قراءة الأيوبي، فإن حركة السكان والنفوذ لن تبقى محصورة داخل لبنان، إذ يرى أن سوريا وتركيا لن تبقيا خارج المشهد إذا اتجهت موازين القوى الإقليمية نحو صيغة جديدة، ومن هنا يطرح تصوراً يقوم على اتجاه شمال لبنان وطرابلس نحو مساحة نفوذ سورية تركية في مواجهة نفوذ إسرائيلي آخذ في التمدد جنوباً ، أي أن لبنان قد يجد نفسه أمام خطوط نفوذ متقابلة، جنوباً تحت ضغط وحضور إسرائيلي، وشمالاً أمام تأثير سوري تركي.. وبينهما دولة تحاول تثبيت مؤسساتها وحدودها وسط تجاذب إقليمي واسع.
هذه القراءة تحمل في مضمونها واحدة من أكثر الفرضيات حدة في المشهد اللبناني، فالأيوبي يرى أن إسرائيل تستطيع فرض نفوذ واسع في الجنوب، لكنها لن تستطيع فرض هيمنة منفردة على كامل الساحة اللبنانية، كون لبنان يقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح إسرائيل وسوريا وتركيا وقوى إقليمية أخرى، ولذلك فإن اتجاه الأحداث، قد يقود إلى صيغة نفوذ دولية وإقليمية موزعة على الجغرافيا اللبنانية، الجنوب في مواجهة مباشرة مع الحسابات الإسرائيلية، والشمال أمام حضور سوري تركي متزايد، فيما يبقى وسط البلاد أمام اختبار الدولة وقدرتها على منع تحول خطوط النفوذ إلى واقع دائم.
ومن هنا تصبح علي الطاهر أكثر من نقطة عسكرية في رواية الجنوب، فهي في حسابات الأيوبي اختبار مبكر لشكل المرحلة المقبلة، فإذا تمكنت إسرائيل من تثبيت وجود طويل الأمد حولها، فإن الأمر قد يتحول إلى سابقة تُستخدم في رسم ترتيبات أمنية جديدة، وإذا بقيت المفاوضات عاجزة عن إنتاج انسحاب واضح، فإن الجنوب سيبقى مفتوحاً على التصعيد، بينما تتجه الأنظار شمالاً إلى سوريا وتركيا، وعندها يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط كيف ينتهي التصعيد وإنما أي لبنان سيخرج من هذه المرحلة وأين ستتوقف حدود النفوذ لكل قوة على أرضه!؟
