شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

المحامية سامنتا سعيد

في لبنان، يبدو أن المشكلة ليست دائماً في القضايا التي يناقشها السياسيون، بل في الطريقة التي يختارون بها تقديمها إلى اللبنانيين.

وهكذا، بدل أن يكون قانون العفو العام مناسبة لفتح ملف العدالة المعلّقة، والتوقيف الاحتياطي، والمحاكمات المتأخرة، والمظالم التي راكمتها سنوات من الانقسام السياسي والأمني، يجري دفع النقاش تدريجياً نحو المتراس الطائفي، وكأن المطلوب من اللبناني أن يسأل أولاً: «من طائفة المستفيد من العفو؟»، قبل أن يسأل: «هل المطلوب أن نبقي مظلومين في السجون فقط لأن الاعتراف بمظلوميتهم يزعج ميزان القوى الطائفي في لبنان؟».

وهنا تكمن خطورة المسألة.

فقانون العفو العام ليس، في جوهره، قانوناً لحماية طائفة، ولا ينبغي أن يكون قانوناً للانتقام من طائفة. إنه في الأصل أداة تشريعية استثنائية لمعالجة آثار مرحلة استثنائية، عندما تكون العدالة نفسها قد أصابها الخلل، وحين يصبح استمرار العقوبة أو التوقيف، في بعض الحالات، استمراراً للظلم لا استمراراً للعدالة.

واليوم، فيما يناقش مجلس النواب هذا الملف، لا يجوز أن نسمح بتحويله إلى مواجهة بين «الجيش» و«السنة»، أو بين «الدولة» و«الإسلاميين». فهذا تبسيط خطير لقضية أكثر تعقيداً بكثير. وقد ظهر بالفعل في أجواء جلسة اليوم من يخشى أن يؤدي عدم إقرار القانون إلى وضع الجيش في مواجهة مع الطائفة السنية، في المقابل يعلم جميع اللبنانيين أنّ الجيش اللبناني ليس خصمًا للسنة، والسنة ليسوا خصومًا للجيش.
هذه هي النقطة التي يجب أن تبدأ منها الدولة، لا أن تنتهي إليها.

فالطائفة السنية اللبنانية، تاريخياً، كانت ولا تزال من أبرز البيئات الحاضنة للمؤسسة العسكرية، ومن أبنائها آلاف الضباط والعسكريين الذين حملوا السلاح دفاعاً عن لبنان، وسقط منهم شهداء على مذبح الدولة.

ولهذا تحديداً، فإن تحويل قضية العفو إلى معركة بين الطائفة السنية والجيش هو ظلم مضاعف: ظلم للجيش الذي يُزج اسمه في صراع سياسي، وظلم للسنة الذين يُطلب منهم أن يدفعوا ثمن أخطاء سياسية لم يرتكبوها.

من أين بدأ الجرح؟

لا يمكن قراءة ملف الموقوفين الإسلاميين في لبنان بمعزل عن المرحلة التي سبقت الحرب السورية وترافقت معها.

فمنذ عام 2011، عندما اندلعت الثورة السورية، اتخذ جزء من البيئة السنية اللبنانية موقفاً سياسياً وشعبياً مؤيداً لها. وفي المقابل، اتخذ «حزب الله» موقفاً عسكرياً وسياسياً مباشراً إلى جانب نظام بشار الأسد.

وبين الطرفين كانت الدولة اللبنانية تحاول أن تمشي فوق حقل ألغام.

وفي السنوات التي تلت، انفجرت في لبنان مواجهات أمنية دامية، كان أبرزها ما ارتبط بطرابلس وعبرا وعرسال وملفات أخرى، وسقط خلالها جنود لبنانيون وشهداء ومدنيون، وارتُكبت جرائم لا يجوز تجاهلها ولا تبريرها.

لكن الاعتراف بحق الجيش في حماية نفسه وحماية الدولة لا يعني التسليم بأن كل من وُضع في خانة «الإرهاب» كان إرهابياً، ولا أن كل من أوقف أو حوكم حصل بالضرورة على العدالة التي يستحقها.

وهذه ليست مسألة مذهبية، إنها مسألة دولة.

وتشير المعطيات المنشورة حول ملف العفو إلى أن قضية الموقوفين الإسلاميين هي إحدى أبرز العقد في القانون، بسبب ارتباط بعض الملفات بالإرهاب وبمقتل عناصر من الجيش، وبسبب الخلاف حول حدود شمولهم بالعفو. كما تشير تقارير برلمانية وحقوقية إلى مشكلة أوسع تتعلق بطول المحاكمات والتوقيف الاحتياطي والاكتظاظ في السجون.

نعم، هناك جرح سني… ومن يرفض الاعتراف به لا يريد مصالحة

من حق اللبنانيين السنة أن يقولوا إن مرحلة كاملة من تاريخ لبنان شهدت شعوراً واسعاً بالاستهداف السياسي والأمني.

ومن حق عائلات الموقوفين أن تسأل: لماذا بقي أبناؤنا سنوات خلف القضبان من دون محاكمة عادلة أو سريعة؟

ومن حق كل مظلوم أن يطالب برفع الظلم عنه، أياً كانت طائفته.

لكن تحويل هذه المظلومية إلى خطاب كراهية ضد طائفة أخرى سيكون خطأً مماثلاً للظلم الذي نريد معالجته.

المطلوب ليس أن ينتصر السنة على الشيعة.

ولا أن ينتصر الشيعة على السنة.

ولا أن ينتصر الموقوفون على الجيش.

المطلوب أن تنتصر الدولة على الظلم.

وهذا هو الفارق بين العفو بوصفه تسوية سياسية والعفو بوصفه خطوة في اتجاه العدالة.

ماذا عن مرحلة الوصاية السورية؟

هنا لا بد من التوقف عند السؤال السياسي الأكبر.

كيف وصل لبنان إلى مرحلة أصبح فيها قرار الحرب والسلم والأمن والقضاء والسياسة الخارجية متأثراً إلى هذا الحد بصراعات المحاور الإقليمية؟

وكيف تحولت الساحة اللبنانية، خلال سنوات طويلة، إلى امتداد للصراع السوري ـ الإيراني، في وقت كانت فيه مؤسسات الدولة اللبنانية عاجزة عن امتلاك قرارها الكامل؟

إن تجاهل هذه الخلفية عند مناقشة العفو العام يعني التعامل مع النتائج من دون مساءلة الأسباب.

لقد نشأت في لبنان خلال تلك المرحلة منظومة نفوذ متعددة المستويات، كان للنظام السوري وحلفائه اللبنانيين دور أساسي فيها، ثم ازداد حضور النفوذ الإيراني عبر «حزب الله» ودوره العسكري والسياسي والإقليمي.

ومن هنا، فإن تحميل المؤسسة العسكرية وحدها مسؤولية كل ما جرى في تلك السنوات ليس قراءة عادلة للتاريخ.

فالجيش كان، في كثير من الأحيان، يتحرك داخل بيئة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، فيما كانت قرارات كبرى في لبنان تتأثر بتوازنات تتجاوز مؤسسات الدولة نفسها.

لكن هذا لا يعفي أحداً من المسؤولية.

ولا يعفي أي طرف من حق الضحايا في العدالة.

المفارقة السورية التي لا يجوز تجاهلها

هناك مشهد تاريخي شديد الدلالة يفرض نفسه اليوم على النقاش اللبناني.

في اليوم نفسه الذي يناقش فيه لبنان قضية العفو العام، أصدرت محكمة الجنايات في دمشق أحكاماً بالإعدام بحق بشار الأسد وماهر الأسد وعاطف نجيب، بعد إدانتهم بجرائم قتل وتعذيب صنفتها المحكمة ضمن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. والحكم بحق بشار وماهر صدر غيابياً.

وهنا تبرز مفارقة لا يمكن تجاهلها.

فأشخاص لبنانيون دفعوا أثماناً سياسية وأمنية وقضائية بسبب موقفهم من الثورة السورية، يجد بعضهم نفسه اليوم في السجن أو تحت أحكام ثقيلة، فيما الرجل الذي كان رأس النظام الذي قامت الثورة ضده أصبح، وفق الحكم الصادر اليوم في دمشق، مداناً بجنايات بالغة الخطورة.

هذه المفارقة لا تعني، بطبيعة الحال، أن كل من عارض النظام السوري بريء من أي جريمة.

ولا تعني أن كل من قاتل أو اعتدى أو قتل يجب أن يُعفى عنه.

لكنها تعني شيئاً أبسط وأعمق:

لا يجوز أن تصبح المواقف السياسية من صراعات المنطقة دليلاً بذاته على الإجرام.

والعدالة لا تسأل الإنسان فقط: «مع من كنت؟»

بل تسأله: «ماذا فعلت؟»

وهذا هو جوهر الدولة.

العفو ليس مكافأة للإرهاب

أكبر مغالطة في النقاش الحالي هي تصوير العفو العام وكأنه عفو عن الإرهاب.

هذا غير صحيح من حيث المبدأ.

يمكن للقانون أن يضع معايير واضحة تفصل بين الجرائم الإرهابية الخطيرة والقتل المتعمد والاعتداء على العسكريين، وبين الجنح والجرائم الأقل خطورة، وبين من لم يثبت ارتكابه جريمة أصلاً، وبين من قضى سنوات في التوقيف الاحتياطي.

بل إن الصيغة التشريعية الجدية يجب أن تقوم على هذا التفريق تحديداً.

وقد أظهرت النقاشات النيابية السابقة أن موضوع دمج العقوبات والاستثناءات كان من أبرز نقاط الخلاف، وأن اللجان حاولت وضع ضوابط مرتبطة بعدد الجرائم ومدد العقوبات مع الحفاظ على الحقوق الشخصية للضحايا.

لكن المهم اليوم أنه من لم تثبت عليه هذه الجرائم، أو من أوقف سنوات بلا محاكمة، أو من صدرت بحقه أحكام غير متناسبة مع فعله، أو من دخل في ملفات سياسية وأمنية شابتها ظروف استثنائية، يجب أن يُنظر في قضيته وفق معايير قانونية عادلة.

هذا هو النقاش الذي يليق بمجلس النواب.

لا تجعلوا الجيش شماعة

الجيش اللبناني يستحق الحقيقة، لا المزايدة.

وعائلات شهداء الجيش تستحق الحقيقة والعدالة، لا أن تُستخدم آلامها لمنع أي نقاش في أخطاء المرحلة.

إذا كان هناك من قتل عسكريين، فليُحاسب.

وإذا كان هناك من اعتدى على الجيش، فليُحاسب.

وإذا كان هناك من حرض أو خطط أو نفذ، فليتحمل مسؤولية فعله.

لكن في المقابل، إذا كان هناك شخص زُج به في ملف لم يرتكبه، أو بقي سنوات موقوفاً دون محاكمة، أو أُلصقت به تهم بسبب انتمائه أو موقفه السياسي، فإن استمرار سجنه لا يصبح عدالة لمجرد أن الضحية كانت من الجيش.

الجيش نفسه لا يحتاج إلى هذه العدالة الانتقائية.

الجيش يحتاج إلى دولة قوية، وقضاء مستقل، وقانون واضح.

المطلوب اليوم: مصالحة بين الدولة ومواطنيها

لبنان لا يحتاج إلى عفو طائفي.

لبنان يحتاج إلى عدالة عابرة للطوائف.

إذا كان هناك مظلومون من السنة، فلترفع المظلومية عنهم.

وإذا كان هناك مظلومون من الشيعة، فلترفع المظلومية عنهم.

وإذا كان هناك مظلومون من المسيحيين أو الدروز أو أي فئة أخرى، فليُنصفوا أيضاً.

الدولة التي تنصف المظلوم لأنه من طائفتها دولة فاشلة.

أما الدولة التي تنصفه لأنه مظلوم، فهي دولة.

ولهذا فإن المطلوب من مجلس النواب اليوم ليس أن ينتصر لمحور سياسي على محور، ولا أن يرضي شارعاً طائفياً على حساب شارع طائفي آخر.

هذه هي العدالة.

وهذا هو معنى الدولة.

صفحة يجب أن تُطوى لا أن تُدفن

لقد مر لبنان خلال العقدين الأخيرين بمرحلة ثقيلة من التدخلات الخارجية، والانقسامات الداخلية، والوصاية، والسلاح خارج الدولة، والمحاور الإقليمية، والتوظيف الطائفي للقضايا الوطنية.

ولا يمكن بناء دولة جديدة من دون الاعتراف بأن هذه المرحلة تركت جروحاً عميقة.

لكن طي الصفحة لا يعني دفن الحقيقة.

والمصالحة لا تعني إنكار الضحايا.

والعفو لا يعني تبرئة المجرمين.

كما أن محاسبة المجرمين لا تعني إبقاء المظلومين في السجون إلى ما لا نهاية.

اليوم، أمام مجلس النواب فرصة نادرة.

يمكنه أن يجعل قانون العفو العام بداية لمعالجة واحدة من أكثر المظالم إيلاماً في لبنان.

ويمكنه، في المقابل، أن يحوله إلى فصل جديد من الصراع الطائفي.

القرار سياسي، لكن معيار الحكم يجب أن يكون وطنياً وقانونياً.

فالسني الذي ظلم ليس عدواً للجيش.

والجيش الذي استشهد أبناؤه ليس عدواً للسنة.

العدو الحقيقي هو الظلم حين يصبح مذهباً، والفساد حين يصبح نظاماً، والاستقواء بالخارج حين يصبح بديلاً عن الدولة.

ولذلك، فإن قانون العفو العام يجب ألا يكون صفقة سياسية، ولا منحة لطائفة، ولا انتصاراً لمحور.

يجب أن يكون محاولة لاستعادة شيء فقده اللبنانيون منذ زمن:

الثقة بأن الدولة قادرة، ولو متأخرة، على أن تقول للمظلوم: لقد رأينا ظلمك.

ومن هنا، فإن قانون العفو العام يجب ألا يكون عفواً عن السنة، ولا عفواً عن الإسلاميين.

يجب أن يكون عفواً عن مرحلة كاملة أخطأت فيها الدولة، ثم تصحيحاً لما يمكن تصحيحه من آثارها.

المحامية سامنتا سعيد

شاركها.