خاص-القرار
في اللحظة التي يصل فيها قانون العفو العام إلى قصر بعبدا، تنتقل القضية من قاعة مجلس النواب إلى مساحة دستورية مختلفة، حيث يصبح توقيع رئيس الجمهورية محطة أساسية في طريق نفاذ القانون، وتحديداً في ضوء الجدل السياسي والقانوني الذي رافق هذا الملف منذ طرحه، لذلك فإن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه في الأوساط السياسية ليس فقط هل يمر قانون العفو العام في المجلس النيابي وإنما ماذا يحدث دستورياً إذا اختار رئيس الجمهورية جوزاف عون عدم توقيعه؟
وبحسب خبير دستوري تحدث إلى موقع الحقيقة فإن الإجابة تبدأ من المادة 57 من الدستور، التي تمنح رئيس الجمهورية، بعد إطلاع مجلس الوزراء، حق طلب إعادة النظر في القانون مرة واحدة ضمن المهلة المحددة لإصداره، ولا يستطيع المجلس رفض هذا الطلب، وعند استخدام رئيس الجمهورية لهذا الحق يصبح القانون أمام دورة تشريعية جديدة، فيعود إلى مجلس النواب لمناقشته والتصويت عليه من جديد، وفق الأصول الدستورية، وبالغالبية المطلقة من مجموع أعضاء المجلس الذين يؤلفونه قانوناً، أي 65 نائباً في مجلس مؤلف من 128 نائباً وهو الرقم الذي يكتسب أهمية حاسمة في هذا السيناريو.
وهنا تبدأ النقطة الأكثر دقة في المسار، فإعادة القانون إلى المجلس لا تعني إسقاطه، ولا تمنح رئاسة الجمهورية حق وضعه خارج الدورة التشريعية، وإنما تفتح أمام النواب فرصة ثانية لمناقشته، فإذا أصر المجلس على القانون وأقره بالغالبية المطلقة، يصبح رئيس الجمهورية أمام موجب إصدار القانون وفق الآلية التي رسمها الدستور، أي أن إعادة النظر تتحول إلى محطة دستورية فاصلة داخل المسار نفسه، وليس إلى وسيلة لتعليق القانون إلى أجل غير محدد.
أما السيناريو الآخر فيرتبط بالمهلة الدستورية نفسها، فالمادة 57 تنص بصورة واضحة على أن القانون يصبح نافذاً حكماً عند انقضاء المهلة من دون إصداره أو إعادته، مع وجوب نشره، وبالتالي فإن الامتناع عن التوقيع، في حد ذاته، لا يساوي إسقاط القانون ولا يمنح الرئيس قدرة مفتوحة على تعطيل نفاذه، كون الدستور وضع آلية محددة للتعامل مع القانون منذ لحظة وصوله إلى رئاسة الجمهورية وحتى نشره.
وتزداد أهمية هذه النقطة مع عودة قانون العفو العام إلى واجهة المشهد التشريعي، بعدما أنجزت اللجان النيابية المشتركة في أيار الماضي صيغة اقتراح القانون الرامي إلى منح عفو عام وخفض مدد بعض العقوبات بصورة استثنائية، ثم انتقل الملف إلى الهيئة العامة، في وقت كانت قد أُدخلت تعديلات على الصيغة التي نوقشت داخل اللجان، من بينها أحكام تتصل بالعقوبات ومدة التوقيف وربط الاستفادة من بعض مواد العفو بالحق الشخصي.
وفي قراءة أوسع للمسار، تظهر العقدة الأساسية في مضمون القانون نفسه، فقد كان النقاش السياسي والقانوني يدور حول الموقوفين الذين أمضوا سنوات طويلة من دون محاكمات، والأحكام الغيابية، وتخفيض العقوبات في بعض الجرائم، إضافة إلى ملفات أمنية شديدة الحساسية، وهو السبب الذي جعل قانون العفو يتحول إلى أحد أكثر الملفات إثارة للنقاش داخل المجلس وخارجه.
ومن هنا، فإن وصول القانون إلى مجلس النواب لا يعني أن الصفحة الأخيرة قد كتبت، فالمواجهة الحقيقية قد تنتقل عندها إلى طريقة التعاطي الرئاسي معه، خصوصاً في ظل حساسية المواد التي يتضمنها، وفي حال اختار الرئيس عون استخدام حقه الدستوري في إعادة النظر، فإن الكرة تعود إلى مجلس النواب، وعندها تصبح معادلة ال65 نائباً هي المفتاح، أما إذا انقضت المهلة الدستورية من دون إصدار القانون أو إعادته، فإن الدستور نفسه يرسم النتيجة ويعتبر القانون نافذاً حكماً وواجب النشر.
لهذا السبب تحديداً، فإن السؤال حول توقيع الرئيس عون يتعلق بمسار دستوري كامل يبدأ من مجلس النواب، يمر برئاسة الجمهورية، وقد يعود إلى الهيئة العامة من جديد ، في كل محطة توجد مهلة وصلاحية ونصاب محدد، فيما يبقى العفو العام، في نهاية المطاف أمام اختبار مزدوج، اختبار القدرة على جمع 65 نائباً حول الصيغة النهائية، واختبار قدرتها على اجتياز البعد الدستوري من دون أن يتحول القانون إلى مادة جديدة للاشتباك السياسي.
