خاص – القرار
في الجنوب اللبناني، لا تبدو صورة المرحلة المقبلة مرتبطة فقط بمصير اليونيفيل وشكل القوة التي ستتولى المهمة بعدها، فالمشهد الإقليمي يفتح الباب أمام حسابات أوسع، تتداخل فيها مصالح واشنطن وتل أبيب وطهران مع أدوار دول إقليمية تسعى إلى تثبيت حضورها، وفي هذا السياق يعود اسم تركيا إلى الواجهة، وسط حديث عن إمكانية مشاركتها ضمن قوة أوروبية يجري البحث في تركيبتها ودورها، لتجد أنقرة نفسها أمام فرصة تحمل أبعاداً تتجاوز الحضور العسكري التقليدي، كون موقعها السياسي وعلاقاتها المتشعبة مع أطراف المنطقة يمنحانها قدرة على التحرك في مساحة حساسة بين أكثر من محور.
وبحسب مصادر عليمة، فإن المشاركة التركية في اليونيفيل ليست فكرة مستحدثة، فقد سبق للقوات التركية أن شاركت ضمن القوة الدولية في لبنان، وبالتالي فإن حضورها في الجنوب يحمل سابقة واضحة، غير أن الظرف الحالي يمنح هذا الحضور معنى مختلفاً، إذ ترى المصادر، استناداً إلى قراءة الأيوبي، أن تركيا باتت حاجة إقليمية في المرحلة الراهنة، ووجودها في الجنوب يمكن أن يؤدي دوراً يتجاوز الانتشار الميداني، وصولاً إلى موقع يُنظر إليه كضمانة في الوسط بين إيران وإسرائيل، مع مظلة دعم أميركية يمكن أن تمنح هذا الدور وزناً إضافياً.
وتشير المصادر عبر موقع “القرار” إلى أن طبيعة التطورات التي تشهدها المنطقة تجعل القوات التركية مرشحة للدخول ضمن ترتيبات الجنوب اللبناني، مع الإشارة إلى وجود اعتراض إسرائيلي على مشاركة تركيا ضمن قوة دولية، غير أن القرار في هذا الملف لا يرتبط بالموقف الإسرائيلي وحده، فتركيبة القوة المنتظرة تخضع لحسابات دولية وإقليمية واسعة، فيما تتقدم التطورات السياسية والأمنية في المنطقة على أي تفصيل مرتبط بهوية المشاركين.
ومن هنا تبدو المسألة أبعد من مجرد اختيار دولة للمشاركة في قوة دولية، فتركيا تدخل إلى المشهد من بوابة موقعها الإقليمي وعلاقاتها مع عواصم مؤثرة، فيما تنظر واشنطن إلى شبكة التوازنات الجديدة في المنطقة من زاوية مختلفة، والمصادر ترى أن أحد أبرز عناصر القلق الإسرائيلي يرتبط بالتغيرات التي تصيب البيئة السنية في الإقليم، في ظل صعود أدوار سياسية جديدة واتساع مساحة الحركة التركية، الأمر الذي يضع تل أبيب أمام مشهد إقليمي يتبدل بسرعة.
وتضيف المصادر عينها أن واشنطن تبدو مرتاحة إلى التفاعل السني الناشئ في المنطقة، الأمر الذي يفتح أمام أنقرة مجالاً أوسع للحركة، خصوصاً في ظل علاقاتها المتعددة مع العواصم الإقليمية وقدرتها على التواصل مع أطراف يصعب جمعها في مساحة سياسية واحدة، ومن هنا يصبح الدور التركي في لبنان مرتبطاً بصورة المنطقة المقبلة أكثر من ارتباطه بترتيبات اليونيفيل وحدها.
وعليه، فإن حضور تركيا في جنوب لبنان يبقى حتى الآن فكرة مطروحة ضمن الحسابات الجارية، غير أن مجرد عودة اسم أنقرة إلى النقاش تكشف أن الجنوب يدخل مرحلة جديدة من إعادة توزيع الأدوار، مرحلة قد تحمل معها وجوهاً مختلفة للقوة الدولية، وحضوراً تركياً يحمل في طياته رسالة سياسية تتجاوز حدود الانتشار العسكري.
