خاص – موقع “القرار”

لا تُقاس التحركات العسكرية دائماً بما يظهر على الخرائط أو بما يُعلن عنه في البيانات، ففي كثير من الأحيان تكشف مساحة الحركة المسموح بها، مقابل المناطق التي تُغلق أمامها الطرق، عن طبيعة المعادلة الميدانية وحدودها الفعلية، وهذا ما يبرز اليوم في جنوب لبنان، حيث لا تتحرك الأمور ضمن مستوى واحد، إذ يبدو أن حزب الله يمتلك في بعض المناطق هامشاً أوسع للحركة مقارنة بمراحل سابقة، فيما تبقى مناطق أخرى تحت أعين المراقبة الإسرائيلية والاستهداف، وبين هذين المشهدين تحاول إسرائيل فرض قواعد جديدة تحدد من خلالها ما يمكن للحزب القيام به، وما تعتبره تجاوزاً لخطوطها الحمراء.
قبل نحو ثلاثة أسابيع، تداولت وسائل إعلام إسرائيلية معلومات عن نية الجيش الإسرائيلي تنفيذ تقدم عسكري باتجاه تلة علي الطاهر في كفرتبنيت، مع حديث عن وجود منشأة تابعة لحزب الله داخل الموقع، ووجود عشرات العناصر في محيطها أو داخلها، غير أن ما تلا ذلك من تطورات أعاد فتح النقاش حول طبيعة الهامش الذي يتحرك ضمنه الحزب في الجنوب، خصوصاً أن المرحلة السابقة شهدت استهدافات شبه يومية لعناصره، بينما تبدو اليوم بعض التحركات المرتبطة بنقل الأسلحة وإعادة ترتيب القدرات أكثر وضوحاً، في وقت تتابع إسرائيل هذه التحركات وتتعامل معها وفق طبيعة كل موقع ونوع النشاط المرصود.
وفي قراءة للواقع الميداني، يرى العميد المتقاعد خليل الحلو أن إسرائيل على دراية بمحاولات حزب الله إعادة بناء قدراته، وذلك في ظل وقف إطلاق النار القائم في لبنان، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية موجودة ضمن الخط الأصفر، بالتزامن مع استمرار الخروقات الجوية والبرية، من دون الذهاب حتى الآن نحو حملة واسعة تستهدف منشآت الحزب أو عناصره على نطاق كبير.
وبحسب الحلو، فإن هذا الواقع يرتبط أيضاً بالحسابات الأميركية، في ظل ضغوط تمارس باتجاه خفض مستوى التوتر في لبنان، بما يساهم في إبقاء الأجواء أكثر هدوءاً ويساعد على فتح المجال أمام المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران.
ويقول الحلو، في حديث عبر موقع “القرار”، إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفق المعطيات المتوافرة حالياً، لا يبدو راغباً في دفع إسرائيل نحو مواجهة جديدة مع حزب الله، خصوصاً إذا عادت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة، إذ تبقى الأولوية الأميركية مرتبطة بإمكانية الوصول إلى تفاهم مع طهران يحقق لواشنطن مصالحها والأهداف التي تسعى إليها من المفاوضات، ما يجعل ضبط الوضع في لبنان جزءاً من المشهد الإقليمي الأوسع المرتبط بالعلاقة بين واشنطن وطهران.
في المقابل، يلفت خبير عسكري، في حديث لموقعنا، إلى أن تلة علي الطاهر تتمتع بخصوصية ميدانية تجعل التحرك في محيطها مختلفاً عن مناطق أخرى، إذ لا تزال أجواء الاشتباك حاضرة، فيما تواصل إسرائيل مراقبة المنطقة، وأي اقتراب لعناصر حزب الله من النقاط الحساسة قد يضعهم أمام خطر الاستهداف.
ويشير إلى أن الحزب يواجه صعوبة إضافية مرتبطة بتراجع قدرته على استخدام عدد من المسارات التي كان يعتمد عليها سابقاً، بعد استهداف الأنفاق التي كانت تربط مناطق وقرى عدة، ما دفعه إلى البحث عن طرق بديلة للحركة ونقل المعدات، في وقت تحاول إسرائيل اكتشاف هذه المسارات ومراقبتها قبل أن تتحول إلى خطوط حركة ثابتة وآمنة.
ويضيف الخبير عينه أن إسرائيل، بعد سلسلة العمليات العسكرية والاستهدافات التي نفذتها، تنظر إلى تلة علي الطاهر باعتبارها نقطة ذات أهمية كبيرة، وتسعى إلى إبقائها ضمن نطاق السيطرة والمراقبة، خصوصاً مع رصد تحركات تعتبرها مريبة من جانب حزب الله.
غير أن هذا الأمر لا يعني، وفق القراءة نفسها، أن كل تحرك سيقود حكماً إلى مواجهة مفتوحة، إذ يبدو أن إسرائيل تتعامل مع المنطقة وفق قواعد محددة، مع إبقاء كفرتبنيت ضمن دائرة الاهتمام، بالتوازي مع استمرار القصف المدفعي في محيطها ومناطق أخرى من بينها المنصوري وتلة علي الطاهر.
وفي هذا السياق، يبدو أن إسرائيل وضعت لنفسها نطاقاً أمنياً يمتد لمسافة تقارب ألف متر حول عدد من النقاط الحساسة، بحيث أصبح الاقتراب من هذه المساحة بمثابة تجاوز لخط أحمر واضح، وهو ما يفسر جانباً من طبيعة التعامل الإسرائيلي مع تحركات حزب الله، بين السماح بهامش حركة في بعض المناطق وفرض الاستهداف عند الاقتراب من نقاط تعتبرها إسرائيل جزءاً من أمنها المباشر.
