كتب شادي هيلانة في موقع “القرار”
في السياسة، هناك زيارات تحمل معها أكثر من جدول أعمال، وتفتح على طاولة واحدة ملفات قد تبدو متباعدة في ظاهرها، فيما يجمعها في العمق مسار واحد، وهذا هو حال الزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية جوزاف عون إلى أنقرة، حيث لا تبدو العاصمة التركية أمام محطة بروتوكولية تقليدية، كون الزيارة تأتي في توقيت إقليمي تتبدل فيه خرائط المصالح وتُعاد فيه صياغة خطوط التواصل بين دول المنطقة، فيما يجد لبنان نفسه أمام مرحلة تحتاج إلى قراءة دقيقة للاتجاه الذي ستسلكه علاقاته مع محيطه، ومن أي بوابة ستدخل الاستثمارات والطاقة والتجارة، وأي تفاهمات ستفتح الطريق أمامه في السنوات المقبلة.
وبحسب أوساط واسعة الاطلاع تتحدث إلى “موقع القرار” فإن ملفين أساسيين سيكونان حاضرين في المحادثات، الأول يرتبط بسلاح حزب الله ومستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية وهذا الملف، في ظل اعتقاد تركي بأن أنقرة تستطيع لعب دور في فتح قناة تفاوضية مع طهران، انطلاقاً من موقعها وعلاقتها بإيران، والوصول إلى صيغة تساعد الدولة اللبنانية على الإمساك بهذا الملف ضمن تفاهم إقليمي أوسع، إذ ترى الأوساط أن المسألة لم تعد محصورة في الداخل اللبناني وحده، وأن أي معالجة جدية تحتاج إلى تفاهمات تتجاوز الحدود اللبنانية وتدخل في صلب التوازنات الإقليمية.
وتضيف الأوساط أن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان يمسك بزاوية خاصة في هذا المسار، ويعتقد أن لديه مساحة للتحرك مع الإيرانيين، سواء عبر الاتصالات السياسية أو عبر المصالح المشتركة التي تربط أنقرة بطهران، ما قد يسمح بفتح نقاش حول مستقبل السلاح ودور الدولة اللبنانية، خصوصاً أن المرحلة المقبلة تبدو مرتبطة بمسار إقليمي واسع، تتقاطع فيه حسابات إيران وتركيا وسوريا ودول الخليج، إلى جانب الدور الأميركي الذي يراقب حركة هذه الملفات ويؤثر في اتجاهاتها.
أما الملف الثاني الذي ينتظر أن يحضر بقوة، فيتصل بالحدود البحرية وخطوط الطاقة والممرات الاقتصادية التي تتحرك حولها المنطقة، وفي مقدمتها المشاريع التي تسعى تركيا إلى تثبيتها في محيطها، من طريق التنمية إلى خطوط النقل والطاقة، وهي مشاريع لا يمكن فصلها عن موقع لبنان الجغرافي ولا عن دوره المحتمل في المرحلة المقبلة، خصوصاً مع الحديث عن إعادة رسم طرق التجارة التي تربط العراق وسوريا ولبنان بالبحر المتوسط.
وفي هذا السياق، تشير الأوساط إلى أن ما جرى أخيراً حول مشروع طريق التنمية يحمل دلالات سياسية واقتصادية، بعدما ارتبط المشروع بتفاهمات عراقية ـ تركية، فيما أثار مسار التوقيع نقاشاً داخل العراق، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة حجم التداخل بين الاقتصاد والسياسة والأمن في مشاريع المنطقة، حيث لا يكفي أن يكون الطريق مرسوماً على الخريطة حتى يصبح واقعاً، إذ يحتاج إلى شبكة من التفاهمات السياسية والأمنية التي تؤمن استمراره وتمنحه القدرة على التحول إلى ممر تجاري فعلي.
ومن هنا تبرز أهمية لبنان في الحسابات الجديدة، فالعلاقة التاريخية مع قبرص واليونان، إلى جانب موقعه على المتوسط، تضعه أمام أكثر من خيار في ملف الطاقة، خصوصاً أن الرئيس جوزاف عون سبق أن أبدى استعداداً للانخراط في مسارات مرتبطة بخطوط الطاقة التي يمكن أن تبدأ من الهند مروراً باليونان وصولاً إلى إسرائيل، وهو طرح لا تنظر إليه أنقرة من زاوية اقتصادية فقط، نظراً إلى أن تركيا ترى نفسها لاعباً رئيسياً في تحديد شكل الممرات التي ستربط الشرق بالمتوسط وأوروبا.
وهنا، تقول الأوساط إن زيارة عون إلى أنقرة تأتي في مناخ مختلف عن مراحل سابقة، خصوصاً بعد قمة أنقرة والتفاهمات الأميركية ـ التركية، وفي ظل تشجيع أميركي للانفتاح على هذا المسار، ما قد يفتح الباب أمام بداية نقاش أكثر هدوءاً حول موقع لبنان داخل شبكة المشاريع الإقليمية، وكيف يمكن لبيروت أن تستفيد من موقعها من دون أن تتحول إلى ساحة صراع بين خطوط متنافسة.
المشهد لا يتوقف عند الطاقة، فالمؤشرات الاقتصادية واللوجستية بدأت تظهر في أكثر من مكان، من مشروع خط النفط الذي يمكن أن ينطلق من العراق مروراً بسوريا وصولاً إلى طرابلس، إلى الحديث عن مشاريع سكك الحديد، وصولاً إلى تجهيز وتشغيل مطار القليعات، وهي خطوات يمكن أن تدخل ضمن تصور أوسع لإعادة وصل لبنان بمحيطه العربي والإقليمي، بعدما بقي لسنوات خارج العديد من شبكات النقل والتجارة التي كانت تتحرك حوله.
حتى مرفأ طرابلس يدخل في هذه الصورة، مع توسع قدراته وزيادة حركة المستوعبات وتشديد إجراءات الضبط والتفتيش، وهي تفاصيل قد تبدو منفصلة لمن ينظر إليها كل واحدة على حدة، لكنها تصبح أكثر وضوحاً عندما توضع ضمن خريطة واحدة، خريطة تبحث فيها دول المنطقة عن ممرات جديدة للطاقة والتجارة، وتعيد فيها ترتيب المرافئ والمطارات والطرق البرية والسكك الحديدية وفق مصالح اقتصادية تمتد من الخليج والعراق إلى سوريا ولبنان وتركيا والبحر المتوسط.
وتعتقد الأوساط عينها أن لبنان يقف أمام مرحلة مختلفة في علاقاته الخارجية، مرحلة سيكون فيها السؤال الأهم ليس فقط مع من سيقيم لبنان علاقاته، وإنما داخل أي شبكة إقليمية سيضع نفسه، وأي شراكات ستصبح أكثر حضوراً في اقتصاده وأمنه ومستقبله السياسي، فهل يذهب نحو شراكة أوسع مع سوريا وتركيا والدول العربية، أم يجد نفسه أمام مسارات أخرى تفرضها مشاريع الطاقة والحدود البحرية، أم يتمكن من الجمع بين أكثر من خط ضمن تفاهمات دولية وإقليمية تضمن له هامشاً واسعاً للحركة.
وبحسب هذه القراءة، فإن الاتجاه الأقرب قد يكون نحو تموضع عربي – تركي، ضمن مظلة أميركية- سعودية- تركية، مع حضور سوري في المعادلة، وهو تموضع قد يمنح لبنان فرصة للعودة إلى الخريطة الاقتصادية للمنطقة، شرط أن يتمكن من إدارة علاقاته بحسابات دقيقة، لأن المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بما تقوله البيانات الرسمية، وإنما بما ستنتجه التفاهمات حول المرافئ والطاقة والحدود والممرات التجارية والسلاح.
ومن هنا، فإن السؤال الذي تحمله زيارة جوزاف عون إلى أنقرة يتجاوز ما سيقال أمام الكاميرات، فالمسألة تتعلق بما إذا كانت تركيا مستعدة للدخول فعلياً على خط الملفات اللبنانية، وما إذا كان لبنان قادراً على تحويل موقعه الجغرافي من نقطة على هامش المشاريع الإقليمية إلى جزء من شبكة اقتصادية جديدة، وفي حال نجحت أنقرة في فتح باب تفاهم حول سلاح حزب الله، وتزامن ذلك مع تفاهمات حول الطاقة والممرات التجارية، فقد تكون زيارة عون واحدة من المحطات التي ستكشف إلى أين يتجه لبنان، ومن سيكون شريكه الأقرب في الخريطة التي يجري رسمها للمنطقة.
