شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

خاص – موقع “القرار”

لا يقرأ نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار العميد المتقاعد طوني أبي سمرا المرحلة اللبنانية الراهنة من زاوية واحدة، إذ يرى أن التطورات المقبلة ترتبط بسلسلة مترابطة من الاعتبارات السياسية والأمنية والعسكرية، في مقدمتها الخيار الذي اعتمده رئيس الجمهورية جوزاف عون، وما إذا كانت الدولة قادرة على تحويل هذا الخيار إلى واقع ملموس على الأرض.

وفي حديثه لموقع “القرار”، يعتبر أبي سمرا أن زيارة الرئيس عون إلى واشنطن ولقاءه الرئيس الأميركي دونالد ترامب اكتسبا أهمية خاصة في سياق المسار الذي يسعى لبنان إلى اعتماده، مشيراً إلى أن مفاعيل هذه الزيارة قد تفتح أمام بيروت مساحة أكبر للانخراط في التصور الأميركي للمنطقة، من مسار اتفاقيات أبراهام إلى المقاربة الأوسع التي تقوم على تثبيت الاستقرار وإعادة رسم التوازنات الإقليمية.

وبحسب أبي سمرا، فإن الاتجاه الذي اختاره رئيس الجمهورية بات واضحاً على المستوى السياسي، إلا أن التحدي الفعلي يكمن في القدرة على نقل هذا القرار من مستوى المواقف إلى التنفيذ العملي، وهو ما يتطلب، وفق رؤيته، تماسكاً في القرار السياسي والأمني، إلى جانب مؤسسة عسكرية قادرة على الاضطلاع بدورها ومنع أي محاولة لإعادة الساحة إلى مرحلة السلاح المنفلت أو الفوضى الأمنية.

وفي هذا السياق، يضع أبي سمرا الجيش أمام مسؤولية دقيقة، لا تقتصر على تثبيت وجود عسكري في مناطق محددة، وإنما تشمل التأكد من عدم عودة أي بنية مسلحة إلى تلك المناطق التي يجري اختبارها، والعمل على كشف أي خلايا أو منشآت أو تحصينات أو مخازن للسلاح، فضلاً عن التعامل مع أي نشاط عسكري لا يخضع لسلطة الدولة ومؤسساتها.

وتكمن حساسية هذه المهمة، وفق القراءة نفسها، في أن نجاح المرحلة لن يكون مرتبطاً بحجم الانتشار العسكري وحده، ولا بعدد النقاط التي تصل إليها الوحدات، وإنما بقدرة الجيش على الحفاظ على الاستقرار لفترة طويلة، وفرض معادلة أمنية ثابتة تؤكد أن قرار الدولة أصبح صاحب الكلمة الفصل على الأرض، وأن العودة إلى الصيغ السابقة لن تكون أمراً سهلاً.

ويحتاج هذا المسار، بحسب أبي سمرا، إلى توافر مجموعة من المقومات في وقت واحد، تبدأ بوضوح القرار السياسي، مروراً بتأمين القدرات العسكرية واللوجستية الضرورية، وصولاً إلى استمرار المساندة الدولية للمؤسسة العسكرية، خصوصاً أن ما يجري في هذه المرحلة يخضع لمراقبة خارجية واسعة، ما يجعل النتائج الميدانية عاملاً مؤثراً في تقييم مدى التزام لبنان بالمسار الذي اختاره.

ويرى أبي سمرا أن نجاح الجيش في المناطق الثلاث التي تخضع للاختبار قد يفتح الباب أمام توسيع التجربة لاحقاً، بحيث يجري الانتقال تدريجياً إلى مناطق أخرى استناداً إلى حصيلة المرحلة الأولى ونتائجها، معتبراً أن تثبيت الأمن في هذه النقاط قد يمثل خطوة أولى ضمن مسار يحتاج إلى وقت طويل وإلى مستوى مرتفع من الثقة بين الدولة اللبنانية والجهات الدولية الداعمة لها.

في المقابل، فإن عدم تحقيق النتائج المطلوبة قد يضع الخطة أمام واقع أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا ظهرت عقبات سياسية أو أمنية أو ميدانية تعيق تثبيت الوضع الجديد، ما قد يعيد طرح علامات استفهام حول قدرة الدولة على بسط سلطتها الكاملة على الأرض، في ظل مشهد داخلي شديد التعقيد وحساسيات أمنية لا تزال حاضرة.

وفي تقدير أبي سمرا، فإن المؤسسة العسكرية قادرة، تحت قيادة العماد رودولف هيكل، على التعامل مع الاستحقاق المقبل بقدر كبير من الحزم، لافتاً إلى أن القوى المحسوبة على محور حزب الله وحركة أمل وإيران تواجه، وفق قراءته، تراجعاً في مستوى قدرتها على الحركة والتأثير الميداني، بالتزامن مع الضغوط والملفات التي تواجهها طهران على أكثر من ساحة إقليمية، الأمر الذي قد يوفر للدولة اللبنانية فرصة أكبر لتعزيز حضورها وترسيخ سلطتها في الجنوب.

ومن هذا المنطلق، لا ينظر أبي سمرا إلى المناطق الثلاث باعتبارها مجرد مواقع اختيرت لتجربة انتشار عسكري محدودة، وإنما كاختبار أول لمسار قد يتوسع لاحقاً، إذ إن تمكن الجيش من تثبيت الأمن ومنع إعادة بناء أي واقع مسلح خارج مؤسسات الدولة قد يمنح الخطة دفعاً إضافياً نحو مراحل جديدة، فيما قد يؤدي ظهور عوائق تحول دون تثبيت المعادلة الجديدة إلى جعل الانتقال نحو مناطق أخرى أكثر تعقيداً، وفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من الحسابات السياسية والميدانية.

شاركها.