كتب شادي هيلانة في موقع “القرار”
تشير قراءة أمنية لموقع القرار إلى أن المشهد السوري دخل مرحلة مختلفة بعد انتقال الرئيس أحمد الشرع من موقع الشخص المستهدف إلى موقع اللاعب الذي تحاول عواصم عدة التعامل معه كعنوان سياسي جديد في دمشق، حيث إن المرحلة الماضية حملت للرئيس السوري تحديات أمنية كبيرة، مع وجود محاولات استهداف أعلنت عنها تقارير دولية طالت الشرع وشخصيات في حكومته خلال المرحلة الانتقالية، ما دفع الأجهزة الأمنية التركية والسورية إلى رفع مستوى التنسيق لمنع أي اختراق قد يعيد البلاد إلى دائرة الفوضى،.
المعادلة تبدلت مع اللقاء الذي جمع الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في أنقرة، حيث خرجت رسائل أميركية واضحة حول التعامل مع سوريا الجديدة، وصولاً إلى إعلان واشنطن إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوة اعتُبرت مؤشراً سياسياً واقتصادياً مهماً لفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من العلاقات الدولية مع دمشق.
مصادر موقع القرار تقرأ أن انتقال الشرع إلى هذه المساحة لم يأتِ نتيجة عامل واحد، إنما نتيجة مسار إقليمي أعاد ترتيب الأولويات، فالرئيس السوري بات يحظى بدعم تركي مباشر،وانفتاح أميركي محسوب، في وقت تحاول فيه أطراف عدة اختبار قدرته على تثبيت الدولة السورية وإنهاء الملفات الأمنية المفتوحة، كون المعركة الحقيقية لم تعد فقط حول بقاء السلطة وإنما حول شكل سوريا المقبلة ودورها داخل شبكة التوازنات الإقليمية.
في هذا السياق، يظهر الملف الكردي كأحد أبرز الاختبارات أمام دمشق الجديدة، بعدما تمكنت الحكومة السورية من التوصل إلى تفاهمات مع قوات سوريا الديمقراطية حول مسار دمج المؤسسات والقوى العسكرية ضمن الدولة السورية، وهو ملف كان يُنظر إليه سابقاً كأحد أعقد الملفات التي يصعب حلها.
وتشير التقديرات السياسية إلى أن نجاح الشرع في إدارة هذا الملف قد يمنحه هامشاً أوسع للتعامل مع ملفات أخرى، من بينها العلاقة مع القوى المحلية في الجنوب السوري، حيث تحاول إسرائيل بناء نفوذ أمني وسياسي في المناطق الحدودية، فيما تسعى تركيا والولايات المتحدة إلى منع تحولات قد تفتح الباب أمام تمدد إيراني جديد.
المعادلة الأكثر تعقيداً تبقى بين ثلاث قوى تتحرك فوق الساحة السورية، تركيا التي تريد تثبيت نفوذها ومنع قيام كيانات منفصلة على حدودها، الولايات المتحدة التي تبحث عن شريك قادر على ضبط المشهد السوري، وإسرائيل التي تراقب أي تغيير قد يمس أمنها وتوازناتها، بينما تحاول إيران الحفاظ على ما تبقى من أوراقها في الإقليم بعد سلسلة الضغوط التي تعرضت لها.
وبحسب معلومات موقعنا، فإن الملف السوري قد يكون أمام مرحلة سياسية جديدة عنوانها التسويات وليس المواجهات المفتوحة، فكما انتهى ملف قوات سوريا الديمقراطية عبر التفاوض والضمانات، فإن ملفات أخرى قد تسلك الطريق نفسه عندما تتوافر الظروف الإقليمية والدولية المناسبة.
أما بالنسبة إلى لبنان، فتشير القراءة نفسها إلى أن تجربة دمشق مع الملفات الأمنية المعقدة قد تُستخدم كنموذج في مقاربة ملف حزب الله، حيث إن أي معالجة لن تكون عبر مواجهة داخلية مفتوحة، وإنما عبر مسار سياسي وأمني طويل يرتبط بتوازنات المنطقة وبالضمانات الدولية، خصوصاً أن واشنطن وحلفاءها يدفعون باتجاه إعادة تعريف دور القوى المسلحة خارج مؤسسات الدولة.
المرحلة المقبلة ستكشف إذا كان أحمد الشرع تمكن فعلاً من الانتقال من دائرة الاستهداف إلى دائرة صناعة القرار، فالرجل الذي كان يواجه خطر إسقاط التجربة السورية الجديدة أصبح اليوم أمام امتحان أصعب، وهو تحويل الاعتراف الدولي المتزايد إلى دولة مستقرة قادرة على فرض حضورها داخلياً وخارجياً.
