خاص – موقع “القرار”
لم تعد المعركة في المنطقة تُدار فقط عبر الحدود والمواقف السياسية، فالمصارف وحركة الأموال دخلت على خط المواجهة لتصبح إحدى أكثر الأدوات تأثيراً في رسم موازين المرحلة المقبلة، وفي هذا السياق جاءت الخطوة العراقية بفرض قيود مصرفية على رئيس تيار المردة سليمان فرنجية ونائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله محمود قماطي، بالتزامن مع الإجراءات الأمريكية المتخذة بحقهما، في إشارة إلى توسع دائرة الضغط المالي التي باتت تطال شخصيات مرتبطة بالملفات الإقليمية، كَوْن النظام المالي الدولي أصبح مساحة اختبار للنفوذ والتحالفات.
ومن بغداد إلى بيروت، تطرح الخطوة العراقية أسئلة تتجاوز القرار نفسه، إذ يرى النائب السابق مصطفى علوش في حديث لـ”القرار” أن زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى الولايات المتحدة ستفتح أمامه باباً واسعاً من النقاشات والانتقادات، إلا أنها لن تؤدي بالضرورة إلى تبدلات جذرية في المعادلة القائمة، معتبراً أن الرئيس اللبناني سيحاول خلال لقاءاته في واشنطن الحصول على دعم أمريكي يساعد لبنان في تثبيت الاستقرار، والضغط باتجاه إنهاء الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب وفق إطار زمني واضح، إضافة إلى طلب مساعدة عسكرية واقتصادية تخفف من حجم الأزمات التي يعيشها البلد.
ويضيف أن لبنان يدخل هذه المرحلة من موقع يحتاج فيه إلى الدعم أكثر من امتلاكه أوراق ضغط، مستشهداً بأن من لا يملك أدوات كافية لا يستطيع تقديم مقابل سياسي كبير، لذلك فإن أي مطالب أمريكية محتملة ستبقى مرتبطة بقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ خطوات واضحة، سواء على مستوى التفاهمات مع إسرائيل أو الملفات الداخلية المرتبطة بالسلاح والقرار السيادي مرجحاً أن يبقى ملف التواصل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مرتبطاً بمدى نضوج التفاهمات السياسية والأمنية بين الطرفين.
وفي قراءة القرار العراقي، يعتبر علوش أن توجه بغداد نحو فرض إجراءات مالية على شخصيات مرتبطة بمحور الممانعة وحزب الله يأتي ضمن مسار جديد في السياسة العراقية خصوصاً بعد التحولات التي شهدتها العلاقة بين بغداد وطهران، وبعد تصاعد الضغوط المتعلقة بملفات الفساد والتمويل غير المشروع، ويرى أن العراق بات يعطي الأولوية لحماية علاقاته الاقتصادية مع المجتمع الدولي، بعدما أصبح الحفاظ على النظام المصرفي والابتعاد عن أي شبهات مالية عاملاً أساسياً في تحديد خياراته السياسية.
ويشير إلى أن واشنطن لعبت دوراً مؤثراً في دفع هذا المسار، معتبراً أن القرار العراقي يتقاطع مع العقوبات الأمريكية التي استهدفت شخصيات لبنانية على صلة بحزب الله،وأن بغداد تحاول اليوم تقديم نفسها كشريك اقتصادي ملتزم بالقواعد الدولية، في ظل حاجة كبيرة إلى حماية قطاعها المالي من أي انعكاسات قد تنتج عن العقوبات الأمريكية.
أما تخصيص سليمان فرنجية ضمن هذه الإجراءات، فيرى علوش أنه يفتح باباً أمام أكثر من تفسير، فهناك من يربطه بملفات اقتصادية وتجارية سابقة، ومنها حركة الأعمال المرتبطة بالنفط التي كانت محور نقاشات في مراحل سياسية مختلفة، فيما يبقى التفسير الأكثر تداولاً حتى الآن مرتبطاً بتقاطع القرار العراقي مع السياسة الأمريكية الجديدة تجاه الشخصيات والجهات القريبة من حزب الله.
وبحسب معطيات “القرار”، فإن التطور العراقي يأتي في لحظة إقليمية دقيقة، حيث لم تعد الضغوط تُمارس فقط عبر المواقف الدبلوماسية، إنما عبر أدوات مالية قادرة على تغيير حسابات القوى السياسية، فالرسالة التي تحملها هذه الإجراءات تتصل بمستقبل العلاقة بين الاقتصاد والسياسة في المنطقة، وبمدى قدرة الدول على حماية أنظمتها المالية وسط صراع نفوذ يتخذ أشكالاً أكثر هدوءاً وأشد تأثيراً.
