د. أيمن خالد (متخصص في الإعلام السياسي والقانون الدولي)
عنف خاطف.. فبين ليلة وضحاها تحولت الأطر القانونية للاتفاقية الرسمية المبرمة بين واشنطن وطهران إلى رماد تحت لهيب ضربات جوية أمريكية مركزة وحصار بحري مطبق هذا التحول الدراماتيكي يطرح السؤال الأهم ما الذي استفز الوضع القانوني السابق ليدفع إدارة ترامب نحو خيار الحسم العسكري والجراحي بهذه السرعة وأين تقع الخطوط الحمراء التي لا تقبل واشنطن المساس بها
أولا شرارة الانفجار ما الذي استفز إدارة ترامب
الوضع السابق لم يكن مجرد تفاهمات عابرة بل استند إلى بنود اتفاقية رسمية حددت معادلة واضحة تسمح واشنطن بموجبها بهامش حركة مقيد لطهران تجاريا وميدانيا مقابل التزام كامل وموثق بأمن الملاحة لكن صانع القرار الإيراني وتحت ضغط الرغبة في تحسين شروط التفاوض ارتكب خطأ إستراتيجيا عندما حاول فرض السيادة الاستثنائية وتعديل مسارات السفن التجارية بعيدا عن الرقابة المقررة في بنود الاتفاقية واستهداف ناقلات في الممر الدولي
هذا التحرك مثل الخرق الجوهري الذي نسف الالتزام التعاقدي المتبادل بالنسبة لإدارة ترامب لم يكن هذا مجرد مناورة بل تقويضا مباشرا لأخطر الثوابت الأمريكية التي حمتها الاتفاقية وهي حرية الملاحة الدولية وتأمين تدفق الطاقة العالمي هنا قررت واشنطن إنهاء مفاعيل هذه الاتفاقية وألغت تراخيص النفط الإيراني فورا وانتقلت من الضغط الدبلوماسي المعزز بالاتفاقيات إلى بتر القدرات العسكرية ميدانيا
ثانيا النقطة القانونية التي لن تتنازل عنها أمريكا في هرمز
تكمن العقدة الحقيقية في تفسير اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 الموقف الأمريكي صارم ولا يقبل التفاوض مضيق هرمز بضفتيه الإيرانية والعمانية هو ممر مائي دولي يخضع لقاعدة حق المرور العابر المطلق لكافة السفن الحربية والتجارية
في المقابل تحاول إيران فرض تفسير مواز يقوم على المرور البريء والذي يعطيها وفق رؤيتها سلطة تفتيش السفن واعتراضها لمتطلبات أمنها القومي أمريكا لن تتنازل عن إسقاط هذا التفسير الإيراني نهائيا فالإنذار الأمريكي الأخير عبر منصة أكسيوس الذي يطالب طهران ببيان علني يعترف بأن المضيق مفتوح ويتعهد بوقف إطلاق النار يهدف إلى انتزاع إقرار قانوني إيراني بديل يلغي مفاعيل الاتفاقية السابقة ويفرض التنازل عن أي سيادة استثنائية على المضيق وتحويل الجانب الإيراني في بندر عباس وسيريك وقشم إلى نقاط ساقطة عسكريا وقانونيا أمام التجارة الدولية
ثالثا حدود القبول الإيراني ومعضلة الحرب الشاملة
إلى أي مدى ستقبل إيران بهذا الوضع العقلية البراغماتية الإيرانية مستعدة لامتصاص الضربات الجراحية المؤلمة وتحمل خسارة البنية التحتية بل وقبول الهدنة الإنسانية المؤقتة لمراسم التشييع التي منحها ترامب كمهلة مناورة سياسية بعد تحطيم الاتفاقية ستتحمل طهران كل ذلك لتجنب الوقوع في فخ التوريط الأممي فهي تعلم أن أي رد متهور بإغلاق المضيق رسميا سيعني منح واشنطن الصك القانوني لتفعيل آلية الزناد وإعادة العقوبات الأممية تحت الفصل السابع بقرار أحادي يشرعن سحق المنظومة الحاكمة دوليا
ولكن متى تدخل إيران الحرب الشاملة تدخل طهران الحرب في حالة واحدة فقط إذا شعرت أن الضربات الأمريكية تجاوزت تقليم الأظافر الميدانية وقطع خطوط الإمداد مثل ضربة السكك الحديدية نحو روسيا والصين وانتقلت إلى مرحلة الاستئصال المباشر لبنية النظام الحاكم في طهران أو التهديد الوجودي المباشر لولاية الفقيه هنا فقط ستخوض إيران حربا انتحارية شاملة وتستخدم كل أوراقها الإقليمية بلا تردد
رابعا هل ما زالت إيران تمتلك القدرة على الدفاع والردع
رغم قسوة الضربات الأمريكية الست على بندر عباس والعشر على سيريك والأربع على جزيرة قشم إلا أن القدرات الدفاعية الإيرانية لم تبدد بالكامل الترسانة الإيرانية تعتمد على إستراتيجية الحرب اللامتناظرة فالصواريخ الباليستية المخبأة في أعماق الجبال والمسيرات بعيدة المدى وشبكات الألغام البحرية الذكية والزوارق السريعة الانتحارية المنتشرة في خلايا مموهة على طول الساحل لا تزال تمثل تهديدا حقيقيا قادرا على إلحاق أضرار بالغة بأسواق النفط العالمية والقواعد الأمريكية في حال صدر قرار المواجهة الشاملة واشنطن شلت الذراع العسكرية الظاهرة لكن الذراع الخفية لا تزال قادرة على الإيذاء
خامسا هل نتوقع زيادة في الجهد العسكري الأمريكي
نعم المؤشرات الميدانية واللوجستية تؤكد أننا أمام تصاعد في الجهد العسكري الأمريكي ولعل الواقعة الأمنية الأخيرة للرئيس ترامب أثناء عودته من أنقرة أكبر دليل على ذلك الاضطرار الأمني لتبديل الطائرة الرئاسية الفخمة بطائرة عسكرية مجهزة بترسانة دفاع صاروخي ونظام اتصالات حرب جوية وإغلاق النوافذ وأجهزة التتبع الطيراني خوفا من استهداف إيراني يعكس أن الأجهزة الأمنية الأمريكية والبنتاغون تتعامل مع المنطقة كساحة حرب نشطة عاتية الخطورة
هذا الحذر الأمني البالغ لترامب ستترجمه القيادة المركزية الأمريكية إلى زيادة في الجهد العسكري عبر تكثيف طلعات الاستطلاع وفرض حظر جوي وبحري صارم حول المضيق لتأمين السفن والاستعداد لجولات قصف وقائية جديدة تستهدف أي تحرك للصواريخ الإيرانية المحمولة قبل إطلاقها وتعزيز الحشد البحري لحماية خطوط الملاحة بضفتيها العمانية والإيرانية بقوة الأمر الواقع
خاتمة إستراتيجية
المنطقة لم تعد إلى مربع الاتفاقية الهشة السابقة بل دخلت مرحلة صياغة واقع جيوسياسي جديد تكتبه واشنطن بالحديد والنار والإنذارات القانونية بينما تقف طهران في أعقد اختبار إستراتيجي في تاريخها إما الانحناء لشرط السبت الأمريكي ببيان علني ينهي هيمنتها التاريخية على المضيق أو المخاطرة بالتدحرج نحو مواجهة أوسع قد تحرق ما تبقى من أوراق نفوذها الإقليمي.
