د.عبد اللطيف محمد اسعد (رئيس المجلس السوري للشؤون الإنسانية)
في السياسة الدولية، لا تُقاس التحولات بحجم التصريحات، بل بقدرتها على تغيير مسار العلاقات بين الدول. ومن هذا المنطلق، يبدو أن القرار الأمريكي ببدء إجراءات شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل أحد أهم التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط منذ عقود، ليس لأنه ينهي تصنيفاً استمر منذ عام 1979 فحسب، بل لأنه يعكس تغيراً في طريقة تعامل القوى الدولية مع الدولة السورية وموقعها في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي.
وجاء هذا التطور عقب اللقاء الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع، بحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، في مشهد يحمل دلالات سياسية تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، ليؤكد أن الملف السوري انتقل من مرحلة المواجهة والعقوبات إلى مرحلة الحوار وإعادة بناء الثقة.
وبالتوازي مع ذلك، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إبلاغ الكونغرس رسمياً ببدء إجراءات إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ بعد انتهاء فترة المراجعة القانونية، في خطوة قد تؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات بين واشنطن ودمشق.
نهاية حقبة… وبداية أخرى
على مدى أكثر من أربعة عقود، شكّل تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب أحد أبرز العوامل التي فرضت عليها عزلة سياسية واقتصادية، وأعاقت اندماجها في الاقتصاد العالمي، وقيّدت حركة الاستثمار والتعاون المالي والتجاري.
أما اليوم، فإن رفع هذا التصنيف لا يمثل مجرد تعديل قانوني، بل يعكس إعادة تقييم أمريكية لدور سوريا في البيئة الإقليمية، في ظل متغيرات سياسية وأمنية متسارعة، فرضت على القوى الدولية مراجعة أولوياتها، والانتقال من سياسة الضغوط إلى سياسة الانخراط السياسي.
التقارب مع واشنطن… والتقاطع مع باريس
اللافت أن الانفتاح الأمريكي على دمشق يتزامن مع حراك أوروبي متسارع، تجسد في التقارب السوري–الفرنسي بعد زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وما تبعها من مؤشرات على رغبة باريس في فتح صفحة جديدة مع سوريا.
ولا يقتصر هذا التقارب على البعد السياسي، بل يرتبط بملفات استراتيجية تشمل مكافحة الإرهاب، وأمن البحر المتوسط، والهجرة غير النظامية، وأمن الطاقة، إضافة إلى المشاركة الأوروبية في مشاريع إعادة الإعمار والاستثمار.
إن تقاطع الموقفين الأمريكي والفرنسي يوحي بأن الغرب بدأ ينظر إلى سوريا من زاوية مختلفة، تقوم على اعتبار استقرارها جزءاً من استقرار المنطقة، وليس مجرد ملف أمني معزول.
الدور التركي… هندسة مرحلة جديدة
في المقابل، برزت تركيا بوصفها لاعباً محورياً في هذا التحول، بعدما احتضنت اللقاءات السياسية التي جمعت الأطراف المعنية، الأمر الذي يعكس تنامي دور أنقرة كوسيط إقليمي قادر على جمع قوى متباينة حول طاولة الحوار.
ويعزز هذا الدور من فرص بناء منظومة تعاون إقليمي جديدة، تتداخل فيها المصالح الأمنية والاقتصادية، وتفتح المجال أمام مشاريع تنموية عابرة للحدود.
الاقتصاد… المستفيد الأول
إذا اكتملت الإجراءات القانونية الأمريكية، فإن الاقتصاد السوري سيكون أمام فرصة غير مسبوقة منذ عقود.
فرفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب من شأنه أن يسهم في إعادة فتح القنوات المالية، وتشجيع الاستثمارات العربية والأجنبية، وتحفيز مشاركة المؤسسات المالية الدولية، وتسهيل التجارة، وتهيئة البيئة اللازمة لإطلاق مشاريع إعادة الإعمار.
ومع ذلك، فإن تحقيق هذه المكاسب سيظل مرتبطاً بقدرة الدولة السورية على تنفيذ إصلاحات اقتصادية وإدارية، وتعزيز الشفافية، وتوفير بيئة مستقرة وجاذبة لرؤوس الأموال.
هل تصبح سوريا ركيزة للاستقرار الإقليمي؟
في ضوء هذه التحولات، تبرز تساؤلات جوهرية حول الدور الذي يمكن أن تؤديه سوريا خلال المرحلة المقبلة.
ومن منظور تحليلي، يرى عدد من المراقبين أن نجاح دمشق في استثمار الانفتاح الأمريكي والأوروبي والعربي، إلى جانب تعزيز شراكاتها الإقليمية، قد يؤهلها للقيام بدور محوري في دعم الاستقرار الإقليمي، ولا سيما في ملفات مكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، وتأمين طرق التجارة والطاقة، وتعزيز التعاون الاقتصادي بين آسيا وأوروبا.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن سوريا، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، تمتلك فرصة لتصبح أحد أعمدة الاستقرار في الشرق الأوسط إذا تمكنت من تحويل هذا الانفتاح السياسي إلى مشروع وطني قائم على التنمية، وإعادة بناء المؤسسات، والانفتاح الاقتصادي، وتوازن العلاقات الخارجية. ومن هذا المنظور، يذهب بعض المحللين إلى أنها قد تؤدي دور “صمام أمان” للمنطقة، بما يسهم في الحد من التوترات وتعزيز الأمن الجماعي، مع بقاء هذا التقدير مرتبطاً بما ستشهده المرحلة المقبلة من تطورات وسياسات عملية.
تبدو سوريا اليوم أمام مفترق تاريخي. فبين الانفتاح الأمريكي، والتقارب الفرنسي، والدور التركي، والانفتاح العربي المتزايد، تتشكل ملامح مرحلة جديدة قد تنهي سنوات طويلة من العزلة، وتعيد دمج دمشق في محيطها الإقليمي والدولي.
لكن نجاح هذه المرحلة لن يقاس بالقرارات الدبلوماسية وحدها، بل بقدرة جميع الأطراف على ترجمة هذا التحول إلى واقع سياسي واقتصادي مستدام، يجعل من سوريا خدولة مستقرة وشريكاً فاعلاً في منظومة الأمن والتنمية الإقليمية، ويمنح الشرق الأوسط فرصة للانتقال من منطق الصراع إلى منطق الشراكة وبناء.
