شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

بقلم: رولا سوبره (باحثة دكتوراه في ادارة الاعمال، مستشارة في الادارة التربوية والقيادة والحوكمة، متخصصة في وضع الاستراتيجيات لأفضل الممارسات في الدمج التربوي والوصول الشامل
إنّ النظام الطائفي المحاصصاتي هو العلة الأساسية التي تُجهض كل محاولة للإصلاح الإداري في لبنان، وتحول دون بناء دولة المؤسسات).

في بلد تُقسّم فيه الوظائف العامة كغنائم بين القوى السياسية النافذة، لم يكن الفشل الإداري يوماً وليد الصدفة. إنه نتيجة بنوية لنموذج سياسي يعيد إنتاج نفسه عبر شل آليات الرقابة، وتحويل الإدارة العامة من أداة لخدمة المواطن إلى ساحة للمحاصصة والزبائنية السياسية الشاملة. إن خوض غمار الشأن العام اليوم، من بوابة التشريع أو التنفيذ، يفرض علينا مواجهة هذا الملف الجريء؛ فإصلاح الإدارة ليس ترفاً تقنياً، بل هو حجر الزاوية لاستعادة السيادة الوطنية والكرامة الإنسانية لكل مواطن لبناني.
أولاً: العقبات السياسية والبنيوية للإصلاح
المحاصصة الحزبية الطائفية: تحولت الوزارات والمؤسسات الرسمية في لبنان إلى إقطاعيات حصرية تابعة للقوى السياسية النافذة، حيث يتم تقاسم الحصص الإدارية بناءً على الولاء السياسي والطائفي بدلاً من معايير الجدارة والكفاءة العلمية.
الزبائنية واستعباد الوظيفة: تُستغل الوظيفة العامة كأداة لشراء الولاءات وتثبيت النفوذ السياسي، مما أفرغ الإدارة من الطاقات البشرية المؤهلة لقيادة التطوير، وحوّل الموظف من خادم للشعب إلى خادم للمرجعية.
تصفيد أجهزة الرقابة الممنهج: جرى تعمد شل حركة الهيئات الرقابية، كالتفتيش المركزي ومجلس الخدمة المدنية وديوان المحاسبة، عبر التدخل السياسي في تعيين مسؤوليها أو حجب التمويل عنها، مما جعلها هيئات صورية عاجزة عن ملاحقة الفاسدين.
تسييس السلطة القضائية وغياب المحاسبة: تخضع التشكيلات القضائية لتدخلات سافرة من القوى السياسية لحماية الفاسدين والمحسوبين عليهم من أي محاسبة قانونية، مما يضمن للمرتكبين حصانة سياسية تُكرس مبدأ الإفلات من العقاب الذي دمر ثقة المواطن بدولته.
انعدام الإرادة السياسية الحقيقية: تفتقد النخبة التقليدية الحاكمة للإرادة الحقيقية لإصلاح الإدارة، لأن بناء إدارة حديثة وشفافة يعني تخلي هذه القوى عن مكتسباتها، وسمسراتها، ونفوذها، وبالتالي تُجهض كل خطط الإصلاح قبل أن تبدأ لغياب الغطاء السياسي.
ثانياً: مظاهر الترهل والانهيار الإداري
التضخم الوظيفي العشوائي: شهدت الإدارة العامة موجات توظيف عشوائية وغير قانونية خارج إطار مجلس الخدمة المدنية لغايات سياسية (مثل ملف الـ 5000 موظف)، مما أثقل كاهل الخزينة بمرتبات ومخصصات لوظائف وهمية أو غير منتجة.
مقاومة التحول الرقمي لحماية السمسرة: تواجه مشاريع مكننة المعاملات والتحول الرقمي مقاومة شرسة مقصودة لإبقاء المعاملات ورقية بالية، مما يتيح استمرار السمسرات، والرشاوى، والابتزاز المالي للمواطنين، ويمنع تطبيق أي آليات حقيقية للشفافية وتتبع القرارات.
تداخل وتشابك الصلاحيات الموازي: جرى استحداث مجالس وصناديق موازية للوزارات الرسمية تعمل خارج رقابة الدولة المباشرة (مثل مجلس الإنماء والإعمار وصندوق المهجرين)، مما أدى إلى تضارب المهام وضياع المسؤولية وتسهيل تمرير الصفقات والمشاريع المشبوهة.
نزيف الكفاءات وإفراغ الإدارة: تسبب انهيار العملة الوطنية وتدني القيمة الشرائية لرواتب القطاع العام في هجرة جماعية واعتكاف لأفضل العقول والكفاءات الإدارية والنزهاء الذين تقدموا باستقالاتهم، تاركين الإدارة تحت رحمة الفراغ أو الموظفين غير المؤهلين.
هدر المال العام في صفقات التراضي: تتم إدارة مناقصات وعقود الدولة بغياب الشفافية والالتفاف على قانون الشراء العام من دون دفاتر شروط موحدة، مما يفتح الباب واسعاً أمام تلزيم المشاريع لشركات محظية سياسياً بأسعار مضخمة تستنزف موارد الخزينة.
ثالثاً: خريطة الطريق لبناء الإدارة الحديثة
إقرار استقلالية القضاء الفعلي فوراً: إن رفع يد القوى السياسية عن التعيينات والتشكيلات القضائية هو المدخل الأساسي لأي عملية إصلاحية، فبدون قضاء قوي وقادر على محاسبة المرتكبين ستبقى كل خطط الإصلاح مجرد شعارات ووعود فارغة.
إعادة الصلاحية الحصرية لمجلس الخدمة المدنية: يجب إعادة الاعتبار الكامل لمجلس الخدمة المدنية وجعله الممر الإلزامي الوحيد لكل عمليات التوظيف والترقية في الدولة، وتطبيق معايير الامتحانات النزيهة لإنهاء عصر المحسوبيات والواسطة الطائفية نهائياً.
تطبيق الحوكمة الرقمية الشاملة (E-Government): يتطلب الإنقاذ الإداري تطبيق مكننة شاملة لكافة المعاملات الرسمية وتحويلها إلى نظام إلكتروني بالكامل، مما يقطع الطريق دابراً على الرشوة الإدارية، ويسرع معاملات المواطنين، ويضمن الرقابة اللحظية على الأداء والإنتاجية.
إعادة هيكلة القطاع العام وغربلة الملاكات: هناك حاجة ملحة لإجراء مسح شامل وغربلة لجميع موظفي الدولة بهدف إلغاء الوظائف الوهمية، بالتزامن مع دمج أو إلغاء المجالس والمؤسسات الرديفة والموازية لتوحيد جهود الإدارة وضبط الهدر المالي.
التطبيق الصارم لقانون الشراء العام: ينبغي تطبيق قانون الشراء العام بمعاييره الدولية الصارمة على كل مناقصات وعقود الدولة دون استثناء، لفرض الشفافية المطلقة والمنافسة المشروعة بين الشركات، ومنع الاحتكار والتلزيمات بالتراضي التي نهبت أموال الدولة.
رابعاً: الإصلاح الإداري والالتزامات الدولية لبناء الثقة
تلبية شروط صندوق النقد الدولي والجهات المانحة: إن استعادة ثقة المجتمع الدولي مشروطة بمدى جديتنا في إصلاح الإدارة العامة، حيث يطالب صندوق النقد الدولي بخطوات بنيوية واضحة تشمل تدقيقاً مالياً وجنائياً كاملاً، وشفافية في الإنفاق كشرط أساسي لتقديم أي دعم مالي.
العبرة من فشل قطاع الكهرباء والجمارك: يُمثّل قطاع الكهرباء والجمارك النموذج الصارخ للفشل الإداري؛ حيث كبّدت خطط الكهرباء الفاشلة الخزينة أكثر من نصف الدين العام، في حين تضيع ملايين الدولارات سنوياً في الجمارك بسبب غياب المكننة الشاملة والتهرب الجمركي.
كلفة التوظيف العشوائي على حساب المواطن: تُشير التقديرات إلى أن التوظيف العشوائي والمحسوبيات السياسية قد حمّلا الخزينة أعباءً هائلة أسهمت في الانهيار المالي، ونحن بحاجة لرؤية علمية لربط التوظيف بالحاجة الفعلية ونقله من عقلية التوظيف السياسي إلى الإنتاجية الوطنية.
إن الدخول إلى ملف الإدارة العامة في لبنان يكشف أن الأزمة هي أزمة نظام يرى في القانون والإصلاح تهديداً مباشراً لامتيازاته البنيوية. ومن هنا، فإن أي مشروع وطني جاد في سدة التشريع أو التنفيذ يجب أن يحمل هذه الرؤية العلمية والجرئية، لإنهاء زمن المحاصصة والبدء فوراً في بناء دولة القانون، والمؤسسات، والكرامة الوطنية.

شاركها.